حرارة مرعبة تضرب مصر وخسائر تهدد القطاع الزراعي
حذر الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بـمركز البحوث الزراعية، من تعرض مصر لموجة شديدة الحرارة تُعد الأقوى منذ بداية فصل الربيع، بالتزامن مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات الإشعاع الشمسي والطاقة الحرارية، الأمر الذي يفرض تحديات خطيرة على القطاع الزراعي والصحة العامة والثروة الحيوانية.
وأكد فهيم أن ذروة الارتفاع في درجات الحرارة تبدأ اليوم الأحد 17 مايو 2026، وتستمر على أغلب أنحاء الجمهورية، فيما تمتد الموجة الحارة حتى منتصف الأسبوع الجاري في محافظات جنوب الصعيد، وسط تحذيرات من التأثيرات الحادة للإجهاد الحراري على الإنسان والنبات والحيوان.
مرتفع جوي قوي يرفع الحرارة إلى مستويات استثنائية
وأوضح رئيس مركز معلومات تغير المناخ أن السبب الرئيسي وراء هذه الموجة يتمثل في تأثر البلاد بمرتفع جوي قوي في طبقات الجو العليا، يصاحبه هبوط للتيارات الهوائية يؤدي إلى تسخين الهواء بشكل مباشر، بالتزامن مع سطوع شمسي شديد وامتداد منخفض جوي سطحي يرفع درجات الحرارة إلى معدلات غير معتادة خلال فصل الربيع.
وأشار إلى أن الخطورة لا تكمن فقط في ارتفاع درجات الحرارة، بل في وصول الطاقة الحرارية الناتجة عن الإشعاع الشمسي إلى مستويات قياسية تتجاوز 7.5 كيلووات ساعة لكل متر مربع يومياً، وهي معدلات تؤثر بصورة مباشرة على كفاءة النباتات والمحاصيل الزراعية، فضلاً عن زيادة معدلات الإجهاد الحراري لدى المواطنين.
ليالٍ ساخنة تزيد من خسائر المحاصيل
ولفت فهيم إلى أن درجات الحرارة ليلاً سترتفع بصورة ملحوظة لتتراوح بين 25 و30 درجة مئوية، وهو ما يضاعف معدلات التنفس الليلي للنباتات ويؤدي إلى زيادة الفقد الغذائي داخلها، بما ينعكس سلباً على عمليات العقد والتحجيم والإنتاجية.
وأضاف أن استمرار الحرارة المرتفعة خلال ساعات الليل يمثل ضغطاً إضافياً على الزراعات الصيفية، خاصة في المراحل الحساسة مثل الإنبات والتزهير وبداية العقد، ما قد يتسبب في تساقط الأزهار والثمار الحديثة وضعف امتصاص العناصر الغذائية.
رياح محملة بالرمال والأتربة تضرب عدة مناطق
وأشار التقرير إلى نشاط قوي للرياح على مناطق غرب الجمهورية والسواحل الشمالية والوجه البحري، قد يصاحبه إثارة للرمال والأتربة وانخفاض في مستوى الرؤية الأفقية ببعض المناطق، ما يزيد من حدة التأثيرات المناخية المصاحبة للموجة الحارة.
الأشعة الشمسية الأكثر خطورة تقترب من ذروتها
وأكد رئيس مركز معلومات تغير المناخ أن مصر تقترب تدريجياً من ذروة الصيف المناخي، مع تعامد الشمس ناحية مدار السرطان، وهو ما يؤدي إلى زيادة الأشعة الشمسية قصيرة الموجة الأكثر اختراقاً وتأثيراً.
وأوضح أن هذه الظروف المناخية قد تتسبب في:
لسعات شمس مباشرة على الثمار والأوراق.
إجهاد حراري حاد للنباتات.
ارتفاع معدلات ضربات الشمس للإنسان والحيوان.
زيادة فقد المياه من التربة والنباتات بمعدلات كبيرة.
وكشف فهيم أن أعلى درجة حرارة سُجلت في القاهرة كانت خلال ربيع عام 2018، ووصلت إلى نحو 50 درجة مئوية، مؤكداً أن أخطر موجات الحر في مصر غالباً ما تحدث خلال فصل الربيع المتقلب وليس في ذروة الصيف.
الزراعات الأكثر تضرراً من الموجة الحارة
وأوضح التقرير أن الزراعات الصيفية الحالية تمر بمراحل شديدة الحساسية، خاصة بعد الشتل أو خلال فترات التزهير والإخصاب والعقد، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالإجهاد الحراري.
وحذر من أن ارتفاع الحرارة قد يؤدي إلى:
ضعف العقد والإنتاج.
تساقط الأزهار والثمار الصغيرة.
زيادة لسعات الشمس على المحاصيل.
تنشيط الآفات والأمراض الزراعية.
تراجع كفاءة امتصاص العناصر الغذائية.
إجراءات عاجلة لحماية المحاصيل من الإجهاد الحراري
ودعا مركز معلومات تغير المناخ المزارعين إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الوقائية العاجلة لتقليل الخسائر، أبرزها:
تقصير الفترات بين الريات والحفاظ على رطوبة التربة.
تنفيذ الري خلال الصباح الباكر أو أول الليل فقط.
منع الري وقت الظهيرة نهائياً.
تأجيل زراعة العروات الصيفية الجديدة لحين انكسار الموجة الحارة.
رش أشجار المانجو والزيتون بالجير المخفف أو سليكات البوتاسيوم لتقليل لسعات الشمس.
التوقف الكامل عن استخدام المبيدات الجهازية خلال الموجة الحارة.
منع استخدام الكبريت الزراعي مؤقتاً.
تقليل التسميد الأزوتي والأحماض الأمينية، خاصة في الخضر والصوب الزراعية.
تحسين التهوية داخل الصوب لتقليل الرطوبة والإجهاد الحراري.
تحذيرات خاصة لمزارعي البطاطس والفراولة والذرة
وشدد التقرير على ضرورة التعامل بحذر مع بعض المحاصيل الأكثر حساسية، حيث أوصى بعدم استخدام منشطات النمو أو مشتقات الخميرة في البطاطس الصيفية خلال موجة الحر، تجنباً لمشكلات التخزين لاحقاً.
كما طالب مزارعي الفراولة بعدم الإفراط في الري أو التسميد الأزوتي لتفادي زيادة أعفان الجذور والأمراض المرتبطة بالرطوبة المرتفعة.
وفيما يتعلق بمحصول الذرة، حذر من خطورة انتشار دودة الحشد، مؤكداً ضرورة المكافحة السريعة وعدم السماح بتكوين أجيال كاملة من الآفة داخل الحقول.
ارتفاع نشاط الآفات والأمراض مع زيادة الحرارة
وأشار التقرير إلى توقعات بزيادة نشاط عدد من الآفات المرتبطة بالأجواء الحارة، أبرزها:
العنكبوت الأحمر.
البق الدقيقي.
الحشرات القشرية.
دودة الحشد.
ديدان الثمار.
كما حذر من انتشار الأمراض المحبة للرطوبة، وعلى رأسها:
البياض الزغبي.
البياض الدقيقي.
التبقعات المرضية.
أعفان الجذور.
اللفحة النارية في أشجار الكمثرى.
توصيات عاجلة لمربي الدواجن والأسماك
ولم تقتصر التحذيرات على القطاع الزراعي فقط، بل امتدت إلى الإنتاج الحيواني والداجن والمزارع السمكية، حيث أوصى التقرير بـ:
تجديد مياه الشرب باستمرار.
زيادة التهوية ووسائل التبريد.
تقليل الإجهاد الحراري للحيوانات.
خفض الأعلاف الخشنة.
زيادة تشغيل البدالات وتغيير المياه بالمزارع السمكية بصورة دورية.
لماذا أصبحت موجات الحر أكثر خطورة في مصر؟
تشير المؤشرات المناخية خلال السنوات الأخيرة إلى تزايد حدة وتكرار موجات الحرارة الشديدة في مصر والمنطقة العربية، نتيجة التغيرات المناخية العالمية وارتفاع متوسط درجات الحرارة.
ويرى خبراء المناخ أن فصل الربيع بات يشهد اضطرابات جوية أكثر حدة من السابق، مع انتقالات سريعة بين البرودة والحرارة الشديدة، وهو ما يضاعف التأثيرات السلبية على الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي، خاصة في ظل حساسية المحاصيل المصرية للتغيرات المناخية المفاجئة.
كما تؤكد الدراسات الحديثة أن ارتفاع الإشعاع الشمسي وزيادة فترات الإجهاد الحراري قد يدفعان مستقبلاً إلى إعادة النظر في مواعيد الزراعة وأنظمة الري والتسميد، لضمان الحفاظ على الإنتاجية وتقليل الخسائر الاقتصادية في القطاع الزراعي.


.jpg)
























