الأرض
الإثنين 23 فبراير 2026 مـ 04:13 مـ 6 رمضان 1447 هـ
موقع الأرض
رئيس مجلس الإدارةخالد سيفرئيس التحريرمحمود البرغوثيالمدير العاممحمد صبحي

ياسين حمدي يكتب عن أسطورة فرعونية تنتشر في العالم حتى الان

كانت الليلة ساكنة إلا من صوت الريح وهي تمرّ بين أعمدة المعبد. جلست إيزيس على ضفة النيل، تحدّق في صفحة الماء التي تعكس وجهها الشاحب. اقتربت منها إحدى الكاهنات وهمست بخوف:

الكاهنة: مولاتي… هل ستتابعين البحث؟ لقد أنهكك الحزن.

إيزيس: كيف أتوقف؟ أوزوريس ليس مجرد زوج… إنه روحي.

الكاهنة: لكن يداكِ… ما هذا اللون الذي يغطيهما؟

إيزيس: كلما وجدت جزءاً من جسده، تخضبت يداي بدمائه… وكأنها علامة لا تزول.

رفعت إيزيس يديها، وقد اكتسبتا لوناً أحمر داكناً، لوناً سيصبح بعد آلاف السنين رمزاً للوفاء، وطقساً تتوارثه النساء في ليلة الحنّة.

الأسطورة وبداية ظهور الحنّة

1. الأسطورة: رحلة إيزيس لجمع أشلاء أوزوريس

بعد أن قتل ست أخاه أوزوريس وقطع جسده إلى أربعة عشر جزءاً، بدأت إيزيس رحلة طويلة عبر أرض مصر لتجميع أشلائه. كان حزنها عظيماً، وإصرارها أسطورياً، حتى أصبحت قصتها رمزاً للوفاء الأزلي.

2. دم إيزيس وبداية تقليد الحنّة

تروي الأساطير أن يدي إيزيس كانت تتخضبان بدماء أوزوريس كلما وجدت جزءاً من جسده، وبقي اللون عالقاً بها. من هنا نشأ الاعتقاد بأن اللون الأحمر رمز للوفاء، وتحوّل لاحقاً إلى عادة نقش الحنّة للعروس.

3. رمزية الحنّة في ليلة الدخلة

أصبحت الحنّة طقساً فرعونياً يسبق الزواج، حيث تضع العروس الحنّة تبركاً بإيزيس، واستحضاراً لمعاني الوفاء والارتباط الأبدي. ومع مرور الزمن، انتقلت هذه العادة إلى المجتمعات العربية وأصبحت جزءاً من الاحتفالات الشعبية.

4. البعث والحياة الجديدة

قصة إيزيس وأوزوريس ليست قصة موت فقط، بل هي قصة بعث. فقد أعادت إيزيس الروح لأوزوريس لفترة قصيرة لتنجب حورس، مما جعل الحنّة رمزاً للخصوبة والبدايات الجديدة.

فوائد الحنّة الحمراء للبشرة

الحنّة الطبيعية ليست مجرد زينة، بل لها خصائص علاجية معروفة منذ آلاف السنين:

* علاج حروق الشمس وتبريد الجلد

تعمل كملطف طبيعي يخفف حرارة الجلد ويعالج آثار الشمس.

* تسريع التئام الجروح

تحتوي على مواد مضادة للبكتيريا تساعد في تعقيم الجروح وحمايتها.

* تهدئة مشاكل الجلد

تقلل الحكة، وترطب البشرة، وتخفف مظهر الندوب والتجاعيد.

* فوائد جمالية

تستخدم لتفتيح البشرة وتوحيد لونها، وتساعد في تقليل النمش.

أضرار الحنّة الحمراء على البشرة

رغم فوائدها، إلا أن الحنّة غير النقية قد تسبب مشكلات:

* حساسية شديدة

خصوصاً الحنّة السوداء أو المخلوطة بمواد كيميائية.

* احمرار وتورم

قد تظهر نتوءات أو تهيجات، خاصة على البشرة الحساسة.

* جفاف الجلد

بعض أنواع الحنّة قد تسبب جفافاً عند استخدامها بكثرة.

نصائح لتجنب الأضرار

* استخدام الحنّة الطبيعية 100% فقط.

* تجنب الحنّة السوداء التجارية.

* إجراء اختبار حساسية على جزء صغير من الجلد.

* تجنب وضع الحنّة مباشرة على بشرة الوجه الحساسة.

تطور فن تزيين الجسد عبر العصور

1. الحنّة: زينة مؤقتة وطبيعية

* عمرها أكثر من 5000 عام.

* استخدمها الفراعنة للزينة والطقوس.

* مادة نباتية تزول بعد أسابيع.

2. الوشم القديم: دق دائم

* أقدم دليل يعود لمومياء أوتزي (3400 ق.م).

* استخدم الفراعنة والآشوريون الوشم كرمز للحماية أو كعلامة اجتماعية.

* اعتمد على أصباغ معدنية ووخز يدوي.

3. التاتو الحديث

* تطور من علامات تعريفية في الحروب إلى فن عالمي.

* يعتمد على آلات كهربائية دقيقة.

* أصبح جزءاً من الموضة والماكياج الدائم.

الفرق الجوهري

* الحنّة: زينة سطحية مؤقتة ونباتية.

* الوشم والتاتو: أصباغ دائمة تُحقن في طبقات الجلد.

الخلاصة

من دموع إيزيس ووفائها، إلى نقوش العروس في ليلة الحنّة، ومن الوشم الفرعوني إلى التاتو الحديث يظل تزيين الجسد مرآة تعكس علاقة الإنسان بجسده، ورغبته في التعبير عن ذاته، وتخليد مشاعره. الحنّة ليست مجرد لون، بل قصة حب خالدة، ورمز حياة جديدة، وطقس ثقافي عبر آلاف السنين وهو منتشر في ثقافتنا فدائما ما يبدا الزواج بليلة الحنة.

*خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون

عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الاسكندرية