الثوم البلدي في مواجهة الهجن.. أسرار التخزين وأسباب تراجع الأصناف المحلية
كشف خبراء بمعهد بحوث البساتين التابع لمركز البحوث الزراعية عن مجموعة من الممارسات الزراعية والتخزينية الخاطئة التي تؤثر في جودة محصول الثوم وتسرّع من تعرضه للتلف والتفريغ داخل المنازل والمخازن، موضحين في الوقت نفسه الفروق بين أصناف الثوم البلدي والأصناف المستنبطة والهجن الحديثة، وأبرز العوامل التي تدفع المزارعين إلى التوسع في زراعتها على حساب الأصناف المحلية.
وأوضح الخبراء أن مشكلات التخزين تبدأ في كثير من الأحيان من الحقل، وليس داخل المخازن فقط، مؤكدين أن التعامل الصحيح مع المحصول منذ مرحلة ما قبل الحصاد وحتى التخزين يعد عاملاً أساسياً للحفاظ على جودته وتقليل الفاقد.
5 ممارسات خاطئة تسرّع تلف الثوم
حدد الخبراء 5 ممارسات رئيسية يمكن أن تؤدي إلى تراجع القدرة التخزينية للثوم، في مقدمتها الحصاد المبكر، إذ إن تقليع المحصول قبل وصوله إلى مرحلة النضج الفسيولوجي المناسبة يؤثر سلباً في جودة الرؤوس ويقلل قدرتها على تحمل التخزين لفترات طويلة.
وتأتي زيادة الري قبل الحصاد ضمن الأخطاء المؤثرة أيضاً، حيث يؤدي ارتفاع الرطوبة داخل الفصوص إلى زيادة معدل التنفس واستهلاك المواد الغذائية المخزنة، بما ينعكس على جودة المحصول خلال فترة التخزين.
كما يمثل الخلل في برنامج التسميد عاملاً مهماً في تحديد قدرة الثوم على التخزين، إذ إن إهمال التسميد البوتاسي قد يضعف قدرة الفصوص على الاحتفاظ بجودتها، في حين أن الإفراط في استخدام الأسمدة الآزوتية والنترات قد ينعكس سلباً على سلامة المحصول وجودته.
وحذر الخبراء كذلك من تجاهل عملية التجفيف الميداني، مؤكدين أن الإسراع في تعبئة الثوم وتخزينه قبل استكمال عمليات التصميت والتلدين في الحقل يزيد من احتمالات التعفن وارتفاع الفاقد.
أما الخطأ الخامس فيتعلق بـكسر طور السكون، حيث إن حفظ الثوم المقشر في درجات حرارة منخفضة ثم إخراجه إلى الظروف الجوية العادية قد يؤدي إلى سرعة الإنبات والتزريع، خاصة بعد انتهاء فترة السكون الطبيعية التي تمتد لنحو 8 أسابيع.
طريقة التعامل مع الثوم المبرد
ونصح الخبراء المحال التجارية بعدم إخراج كميات كبيرة من الثوم المبرد دفعة واحدة، وإنما طرحه في كميات أسبوعية تتناسب مع معدلات الاستهلاك، مع مراعاة ظروف الحفظ المناسبة ودرجات الحرارة التي تتراوح، بحسب طبيعة التخزين، بين 5 و20 درجة مئوية.
وبالنسبة للتخزين المنزلي، أشار الخبراء إلى إمكانية حفظ فصوص الثوم المقشرة في الزيت داخل أوعية محكمة الغلق، مع ضرورة الالتزام بقواعد السلامة الغذائية والتخزين الآمن، وعدم ترك الثوم المحفوظ بهذه الطريقة في ظروف غير مناسبة.
الثوم البلدي في مواجهة الأصناف الحديثة
وتكشف خريطة أصناف الثوم في مصر عن اختلافات واضحة بين الثوم البلدي المصري والسلالات الحديثة المستنبطة والهجن، سواء من حيث الصفات الشكلية للفصوص أو المادة الجافة أو الإنتاجية أو القدرة على تلبية احتياجات الأسواق.
ويتميز الثوم البلدي المصري بسلالات محلية عريقة تتمتع بتنوع وراثي واسع، كما تتسم رؤوسه بكثرة الفصوص، التي تكون صغيرة إلى متوسطة الحجم، مع صعوبة نسبية في التقشير مقارنة بالأصناف الحديثة.
ويمتاز البلدي كذلك بارتفاع نسبة المادة الجافة ووضوح النكهة والرائحة النفاذة، وهي صفات ترتبط بارتفاع تركيز المركبات المسؤولة عن الطعم والرائحة، وعلى رأسها مركب الأليسين.
في المقابل، تتميز الأصناف المستنبطة والهجن، مثل سدس 40 وسدس 50 وإيجاسيد 1 وإيجاسيد 2، بدرجة أكبر من التجانس الوراثي، إلى جانب إنتاجية أعلى وفصوص أكبر حجماً وأسهل في التقشير، وهو ما يمنحها ميزة تسويقية لدى شريحة واسعة من المستهلكين.
الإنتاجية والتكلفة.. فارق يحسم اختيارات المزارعين
وتتراوح إنتاجية الفدان من الثوم البلدي، وفق البيانات المشار إليها، بين 8 و10 أطنان، بتكلفة زراعية تتراوح بين 80 و110 آلاف جنيه، بينما يمكن أن تصل إنتاجية الأصناف المستنبطة والهجن إلى 12 و15 طناً للفدان، مقابل تكلفة زراعية تتراوح بين 120 و150 ألف جنيه.
وتتركز زراعة الصنف البلدي العريق في مناطق من بينها مركز إهناسيا بمحافظة بني سويف، بينما تنتشر الأصناف الحديثة بصورة أكبر في الأراضي الجديدة والمناطق التي لا تحقق فيها زراعة الثوم البلدي أفضل إنتاجية.
وتضم خريطة الأصناف المستنبطة سدس 40 وسدس 50 وإيجاسيد 1 ذي اللون البنفسجي، إلى جانب إيجاسيد 2 الذي يتميز بإنتاجية أعلى مقارنة ببعض الأصناف الأخرى.
لماذا يتجه المزارعون إلى الأصناف الحديثة؟
ويرتبط التحول من الثوم البلدي إلى الأصناف الحديثة بعوامل اقتصادية وتسويقية متعددة، يأتي في مقدمتها أن الأسواق التجارية والتصديرية تركز بدرجة كبيرة على حجم المنتج ووزنه ومواصفاته القياسية، وليس على قوة النكهة والرائحة وحدهما.
كما تمنح بعض الأصناف الحديثة ميزة التبكير في النضج، وهو ما يسمح للمزارع بطرح محصوله في توقيت مبكر والاستفادة من الأسعار المرتفعة في بداية الموسم، فضلاً عن إمكانية إخلاء الأرض وزراعتها بمحصول آخر.
ولا يقتصر الأمر على احتياجات المزارع والسوق التصديرية، إذ تغيرت أيضاً أنماط استهلاك الثوم، مع تزايد الإقبال على الفصوص كبيرة الحجم وسهلة التقشير، إلى جانب المنتجات المفرومة والمجهزة التي توفر الوقت والجهد على المستهلكين.
مصر بين الإنتاج المحلي وفرص التصدير
وتحتل مصر، وفق البيانات الواردة، المرتبة الرابعة عالمياً في إنتاج الثوم، بإنتاج سنوي يقترب من 280 ألف طن، مع استحواذ محافظتي المنيا وبني سويف على نحو 40% من الإنتاج.
وشهدت قيمة صادرات الثوم المصري نمواً لتصل إلى نحو 61.8 مليون دولار، بالتزامن مع فتح أسواق جديدة في اليابان وأفغانستان ودول الخليج وفيتنام، إلى جانب السوق الأمريكية التي تستوعب كميات من الثوم المصري.
ورغم ارتفاع القيمة التصديرية، فإن كميات التصدير تعرضت لتراجع بنحو 20% نتيجة تحديات مرتبطة بالشحن وتقلبات الأحوال الجوية، وهو ما يفرض ضرورة البحث عن حلول تقلل من الفاقد وتدعم قدرة المنتج المصري على المنافسة في الأسواق الخارجية.
التصنيع الزراعي يحمي الفائض والثوم البلدي
ويرى الخبراء أن التوسع في التصنيع الزراعي يمثل أحد الحلول المهمة للتعامل مع فائض الإنتاج، من خلال إنشاء مصانع متخصصة في تجفيف وتصنيع الثوم، بما يتيح الاستفادة من المحصول بدلاً من تعرضه للتلف في فترات زيادة المعروض.
كما يمكن أن تسهم الزراعة التعاقدية في تنظيم عملية الإنتاج وربط المزارعين بالأسواق ومصانع التصنيع وشركات التصدير، بما يضمن وجود قنوات تسويقية واضحة للمحصول ويقلل من مخاطر تقلب الأسعار.
وتبرز في الوقت نفسه أهمية الحفاظ على السلالات المحلية من الثوم البلدي، لما تتمتع به من صفات مميزة مرتبطة بالنكهة والجودة، مع مواصلة برامج التحسين الوراثي واستنباط أصناف تجمع بين جودة المنتج المحلي وارتفاع الإنتاجية والقدرة على تلبية متطلبات الأسواق التصديرية.
وبينما تفرض الأسواق الحديثة معايير جديدة على إنتاج الثوم، يظل التحدي الأساسي أمام القطاع هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على أصالة الثوم البلدي وخصائصه المميزة، وبين تطوير أصناف قادرة على المنافسة من حيث الإنتاجية وسهولة التداول والتخزين والتصدير، إلى جانب تعظيم الاستفادة من المحصول عبر التصنيع الزراعي وتقليل الفاقد


.jpg)
























