القواعد العلمية لتحديد فترة صلاحية المنتج الغذائي وعلاقتها بالمواد الخام
أصدر الدكتور عدنان محمد خضر، الخبير والمستشار الدولي المعتمد في سلامة الغذاء، دراسة فنية متخصصة تسلط الضوء على أحد أكثر الموضوعات أهمية وإثارة للجدل في أنظمة الجودة وسلامة الغذاء، وهو كيفية تحديد فترة صلاحية المنتج الغذائي النهائي، وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي تربطها مباشرة بتاريخ انتهاء صلاحية المواد الخام أو المضافات الغذائية.
وطرحت الدراسة سؤالاً جوهرياً يشغل الكثيرين في القطاع الصناعي: إذ كان هناك مادة خام أو مضاف غذائي متبقٍ على انتهاء صلاحيته شهران فقط، وتم استخدامه اليوم في التصنيع، فهل يجوز منح المنتج النهائي فترة صلاحية لمدة سنة كاملة؟
وجاءت الإجابة العلمية والتنظيمية المختصرة لتؤكد أنه نعم، يجوز ذلك في العديد من الحالات، شريطة أن تكون صلاحية المنتج النهائي مثبتة بدراسات علمية موثقة، وألا تكون المادة الخام قد تجاوزت صلاحيتها وقت الاستخدام، وأن يجتاز المنتج النهائي دراسات الصلاحية المطلوبة؛ حيث لا توجد في معظم التشريعات الدولية قاعدة تلزم بأن تكون صلاحية المنتج النهائي مساوية أو أقل من العمر المتبقي لأقصر مادة خام مستخدمة.
الفارق العلمي بين صلاحية المواد الخام وصلاحية المنتج النهائي
أوضحت الدراسة ضرورة التفريق الحاسم بين مفهومين مختلفين في المصانع الغذائية:
صلاحية المادة الخام: هي الفترة الزمنية التي يضمن فيها المورد أو المصنع المحافظة على المواصفات الكيميائية والميكروبيولوجية، والفعالية الوظيفية، وثبات الخصائص الفيزيائية للمادة وهي داخل عبوتها الأصلية وتحت ظروف الخزن المحددة قبل التصنيع.
صلاحية المنتج النهائي: هي الفترة الزمنية التي يبقى خلالها المنتج آمناً للاستهلاك، ومطابقاً للمواصفات، ومحتفظاً بخواصه الحسية وقيمته الغذائية بعد عمليات التصنيع والتعبئة والتخزين والتوزيع.
لماذا لا ترتبط الصلاحيتان رياضياً؟
أرجعت الدراسة عدم ارتباط صلاحية المنتج النهائي مباشرة بالعمر المتبقي للمواد الخام إلى أن عملية التصنيع نفسها تغير طبيعة المواد. فعند دخول المواد الخام في الإنتاج، فإنها تتعرض لعمليات مختلفة مثل:
التسخين والبسترة والتعقيم.
التجفيف والخلط والتخمر.
الخبز والقلي والبثق (Extrusion).
هذه العمليات تؤدي إلى تكوين نظام غذائي جديد تماماً يختلف في خصائصه عن المادة الخام الأصلية. ولذلك، فإن الصلاحية للمنتج النهائي لا تُحسب رياضياً بناءً على تواريخ انتهاء المكونات، بل تُحدد استناداً إلى استقرار وثبات المنتج النهائي نفسه. وهو المبدأ الأساسي الذي تعتمده الهيئات الدولية الكبرى مثل:
هيئة الدستور الغذائي (Codex Alimentarius Commission).
إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA).
الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA).
هيئة المعايير الغذائية الأسترالية النيوزيلندية (FSANZ).
متى يصبح العمر المتبقي للمادة الخام عاملاً مؤثراً؟
رغم أن التشريعات لا تربط الصلاحيتين تلقائياً، إلا أن الدراسة أشارت إلى وجود حالات خاصة قد يؤثر فيها العمر المتبقي للمادة الخام على جودة المنتج، ومنها:
المكونات الحساسة للأكسدة: مثل الزيوت النباتية، ومسحوق الحليب الكامل، وأحماض أوميغا 3، والنكهات الطبيعية؛ حيث قد تزداد قيمة البيروكسيد أو احتمالية التزنخ مع اقتراب انتهاء صلاحيتها.
الفيتامينات: مثل فيتامينات (A, C, D) والتي قد تفقد جزءاً من فعاليتها بمرور الزمن.
الإنزيمات: مثل الأميليز والبروتيز والليبيز، حيث تنخفض فعاليتها تدريجياً أثناء التخزين.
البادئات البكتيرية: كما في الزبادي والألبان المتخمرة، نظراً لانخفاض عدد الخلايا الحية بمرور الوقت.
المواد الحافظة: حيث يمكن أن تتأثر فعاليتها مع فترات التخزين الطويلة.
مثال تطبيقي من واقع الصناعة الغذائية
ضرب الدكتور عدنان خضر مثالاً تطبيقياً يوضح الفكرة:
إذا تم إنتاج مادة مضافة غذائية في 1/1/2025 وتنتهي في 1/1/2027، وتم استخدامها في تاريخ 1/11/2026 (أي المتبقي من صلاحيتها شهران فقط) لإنتاج عصير معبأ صلاحيته المثبتة علمياً سنة كاملة، فإن وضع صلاحية سنة للمنتج النهائي يعد مقبولاً تماماً.
ويشترط في هذا المثال أن تكون المادة المضافة مطابقة للمواصفات عند الاستلام والاستخدام، وما زالت ضمن صلاحيتها، وتم تخزينها حسب تعليمات المورد، مع إثبات اختبارات الجودة لفعاليتها، وإثبات دراسة الصلاحية أن العصير النهائي مستقر لمدة سنة.
الرأي العلمي في أنظمة ISO 22000 وHACCP والممارسات العالمية
تؤكد أنظمة إدارة سلامة الغذاء الدولية (ISO 22000 وHACCP) على عدم تقييم الصلاحية بناءً على العمر المتبقي للمواد الخام فقط، وإنما يتم التقييم بناءً على مخاطر وثبات المنتج النهائي، ونتائج الدراسات الميكروبية والكيميائية والحسية، وظروف التعبئة والتوزيع.
وفي الممارسات الصناعية العالمية، من الشائع جداً استخدام منكهات، وألوان غذائية، ومثبتات، ومواد حافظة متبقٍ في صلاحيتها أشهر قليلة، لتصنيع منتجات تمنح فترات صلاحية تتراوح بين 6 أشهر، و12 شهراً، و18 شهراً، بل و24 شهراً، طالما كان ذلك مدعوماً بالإثبات العلمي. وتعتمد المصانع في ذلك على تطبيق أنظمة الصرف مثل الوارد أولاً يصرف أولاً (FIFO)، أو الأقرب انتهاءً يصرف أولاً (FEFO) وهو الأكثر استخداماً.
متى يُحظر إعطاء فترة صلاحية طويلة للمنتج؟
حددت الدراسة خمس حالات واضحة لا يجوز فيها منح المنتج النهائي صلاحية طويلة، وهي:
عدم وجود دراسة صلاحية علمية للمنتج النهائي.
وجود نتائج اختبارات تشير إلى تدهور المنتج قبل نهاية الصلاحية المقترحة.
استخدام مادة خام تجاوزت بالفعل تاريخ انتهاء صلاحيتها.
فشل المادة الخام في اختبارات القبول والجودة عند الاستخدام.
إذا اشترطت التشريعات والقوانين المحلية في بلد التصنيع خلاف ذلك.
الاستنتاج النهائي للدراسة
خلصت الدراسة الفنية إلى إمكانية منح المنتج الغذائي النهائي فترة صلاحية أطول من العمر المتبقي لمكوناته بشرط: أن تكون المواد الخام ضمن صلاحيتها وقت التصنيع ومطابقة للمواصفات، وأن يتم تخزينها وفق الشروط الصحيحة، وأن يجتاز المنتج النهائي دراسات الصلاحية (Shelf Life Study) والاختبارات الميكروبية والكيميائية والحسية التي تثبت استقراره طوال الفترة المقترحة، مع عدم وجود مانع تنظيمي محلي.


.jpg)
























