في اليوم الدولي لمكافحة الصيد الجائر.. صيد 26 مليون طن أسماك خارج القانون سنويًا
يوافق الخامس من يونيو من كل عام اليوم الدولي لمكافحة الصيد غير القانوني وغير المبلّغ عنه وغير المنظّم، وهي مناسبة عالمية أقرتها الأمم المتحدة لتسليط الضوء على أحد أخطر التحديات التي تواجه الثروات البحرية والمخزونات السمكية حول العالم.
ويأتي هذا اليوم في ظل تصاعد المخاوف من الآثار البيئية والاقتصادية والغذائية الناجمة عن ممارسات الصيد غير المشروعة، التي تهدد استدامة الموارد البحرية وتقوض الجهود الدولية الرامية إلى حماية المحيطات والبحار.
وقال الدكتور علاء الفار، الباحث بمعمل بيولوجيا المصايد بشعبة المصايد، ومعاون مدير فرع المعهد للمياه الداخلية والمزارع السمكية، إن اليوم الدولي لمكافحة الصيد غير القانوني وغير المبلّغ عنه وغير المنظّم يمثل فرصة مهمة لتجديد الالتزام العالمي بحماية الثروة السمكية وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة الأنشطة التي تستنزف الموارد البحرية وتهدد مستقبل الأجيال القادمة.
قضية عالمية تتجاوز حدود البحار
وأوضح الفار أن الصيد غير القانوني وغير المنظّم لم يعد مجرد مخالفة للقوانين المنظمة لقطاع المصايد، بل تحول إلى أزمة عالمية تؤثر بشكل مباشر على البيئة والاقتصاد والأمن الغذائي، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة خصصت هذا اليوم لزيادة الوعي بحجم المشكلة وحشد الجهود الدولية لمواجهتها.
وأضاف أن التأثيرات السلبية لهذه الظاهرة تمتد إلى مختلف دول العالم، خاصة تلك التي تعتمد على الموارد البحرية كمصدر رئيسي للغذاء والدخل وفرص العمل.
تهديد مباشر للنظم البيئية البحرية
وأكد أن الصيد غير المشروع يتسبب في أضرار كبيرة للنظم البيئية البحرية نتيجة استخدام وسائل صيد مدمرة أو محظورة، فضلاً عن استهداف أنواع مهددة بالانقراض والعمل داخل المناطق المحمية ومناطق التكاثر.
وأشار إلى أن هذه الممارسات تؤدي إلى تدمير المواطن الطبيعية للكائنات البحرية والإضرار بالشعاب المرجانية والسلاسل الغذائية، ما يخل بالتوازن البيئي الذي استغرق آلاف السنين لتكوينه، ويصعب تعويض خسائره على المدى القريب.
الأمن الغذائي في دائرة الخطر
وتابع الباحث بمعمل بيولوجيا المصايد أن الأسماك تمثل مصدراً أساسياً للبروتين والعناصر الغذائية لمليارات الأشخاص حول العالم، لافتاً إلى أن استمرار استنزاف المخزونات السمكية بصورة غير قانونية يهدد قدرة هذه الموارد على تلبية احتياجات السكان مستقبلاً.
وأضاف أن المجتمعات الساحلية والجزرية تعد الأكثر تأثراً بهذه الممارسات، نظراً لاعتمادها الكبير على الأسماك كمصدر رئيسي للغذاء، ما يجعل تراجع المخزون السمكي تهديداً مباشراً للأمن الغذائي ومكافحة الجوع.
خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات
وأشار الفار إلى أن الدول الساحلية تخسر سنوياً مليارات الدولارات بسبب عمليات الصيد غير القانوني، سواء من خلال فقدان العوائد الاقتصادية أو استنزاف الموارد الطبيعية دون مقابل.
وقال إن هذه الخسائر تؤثر على خطط التنمية الاقتصادية، وتحرم الحكومات من موارد مالية يمكن استثمارها في تطوير الخدمات الأساسية وتحسين البنية التحتية ودعم المجتمعات المحلية المعتمدة على قطاع الصيد.
ما المقصود بالصيد غير القانوني وغير المبلّغ عنه وغير المنظّم؟
وبيّن أن هذا المصطلح يشمل العديد من الممارسات المخالفة، من بينها الصيد دون الحصول على التراخيص اللازمة، أو تجاوز الحصص المحددة قانوناً، أو صيد الأسماك صغيرة الحجم قبل وصولها إلى مرحلة النضج.
كما يتضمن الصيد داخل المحميات البحرية أو مناطق التكاثر أو في المياه التابعة لدول أخرى دون تصريح، إلى جانب عدم الإبلاغ عن كميات المصيد الحقيقية أو تقديم بيانات غير دقيقة بشأن الأنواع التي يتم اصطيادها.
وأكد أن غياب البيانات الدقيقة يعرقل جهود الجهات المختصة في تقييم المخزون السمكي ووضع السياسات المناسبة لإدارته بصورة مستدامة.
«أعلام الملاءمة».. ثغرة تستغلها السفن المخالفة
وأوضح أن من أخطر مظاهر الصيد غير المشروع لجوء بعض السفن إلى التسجيل تحت ما يعرف بـ«أعلام الملاءمة»، وهي ممارسة تسمح لها بالعمل تحت مظلة دول ذات تشريعات بحرية أقل صرامة.
وأضاف أن هذه الآلية تتيح لبعض المشغلين التهرب من الرقابة الدولية وتجنب المساءلة القانونية، ما يخلق أساطيل تعمل خارج الأطر التنظيمية المعتمدة وتُصعّب جهود حماية الموارد البحرية.
منافسة غير عادلة للصيادين الملتزمين
وأكد الفار أن الصيد غير القانوني لا يضر بالبيئة فقط، بل ينعكس أيضاً على الصيادين الملتزمين بالقوانين واللوائح المنظمة للمهنة.
وأشار إلى أن المخالفين يحققون مكاسب غير مشروعة عبر تجاوز حصص الصيد وتجنب الرسوم والضرائب ومتطلبات السلامة، وهو ما يضع الصيادين الشرعيين في مواجهة منافسة غير متكافئة قد تؤثر على استمرارية نشاطهم ومصادر دخلهم.
فعاليات توعوية وجهود دولية
وأوضح أن اليوم الدولي لمكافحة الصيد غير القانوني يشهد تنظيم العديد من الفعاليات والأنشطة التوعوية حول العالم، تشمل الندوات العلمية وورش العمل والمعارض المتخصصة وحملات التثقيف الجماهيري.
كما تنشر الحكومات والمؤسسات البحثية والمنظمات الدولية تقارير وإحصاءات حديثة حول أوضاع المصايد البحرية ومستويات الالتزام بالقوانين، بهدف تعزيز الشفافية ودعم جهود الرقابة والمتابعة.
وأضاف أن منظمات دولية عديدة، وفي مقدمتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» والهيئات الإقليمية لإدارة المصايد، تكثف جهودها لتنسيق عمليات المراقبة وإنفاذ القوانين ومكافحة الأنشطة غير المشروعة.
أرقام تكشف حجم الأزمة
وأكد الفار أن حجم المشكلة يتضح من خلال التقديرات الدولية التي تشير إلى صيد نحو 26 مليون طن من الأسماك سنوياً بصورة غير قانونية أو خارج الأطر التنظيمية المعتمدة.
وأوضح أن هذه الكمية تمثل نحو 15% من إجمالي المصيد العالمي، بما يعادل تقريباً سمكة واحدة من كل سبع أسماك يتم اصطيادها من البحار والمحيطات، فيما تُقدّر القيمة الاقتصادية لهذه الأنشطة بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً.
مسؤولية مشتركة لحماية البحار
واختتم الدكتور علاء الفار حديثه بالتأكيد على أن مواجهة الصيد غير القانوني وغير المنظّم تتطلب تعاوناً وثيقاً بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والصيادين والمستهلكين ومؤسسات المجتمع المدني.
وأضاف أن الحفاظ على الثروة السمكية والتنوع البيولوجي البحري لم يعد خياراً، بل ضرورة لضمان الأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية ودعم المجتمعات التي تعتمد على قطاع المصايد، مؤكداً أن حماية البحار والمحيطات تمثل مسؤولية مشتركة للحفاظ على مستقبل الكوكب للأجيال القادمة.


.jpg)
























