خبير تغذية: تحويل المخلفات الزراعية إلى أعلاف يقلل فاتورة الاستيراد بالمليارات
أكد الدكتور محمد سيد مسعود، أستاذ التغذية والمدير التنفيذي لمركز معلومات الأمن الغذائي، أن المخلفات الزراعية تمثل فرصة حقيقية لتقليل الاعتماد على الذرة المستوردة في صناعة الأعلاف، مشيرًا إلى إمكانية استخدامها كبديل لجزء كبير من الذرة التي تمثل نحو 60% من تركيب العلائق، وهو ما يفتح الباب أمام حلول اقتصادية تسهم في خفض تكاليف الإنتاج وتحقيق قدر أكبر من الاستفادة من الموارد الزراعية المحلية.
وأوضح أن مصر تنتج سنويًا ملايين الأطنان من المخلفات الزراعية، مثل قش الأرز ومخلفات الذرة وتبن القمح وبقايا المحاصيل المختلفة، إضافة إلى مخلفات الصناعات الغذائية، إلا أن جزءًا كبيرًا منها لا يتم استغلاله بالشكل الأمثل، رغم ما يمكن أن تمثله من قيمة اقتصادية كبيرة إذا أعيد تدويرها واستخدامها في إنتاج الأعلاف غير التقليدية.
المخلفات الزراعية بديل مهم للذرة في الأعلاف
ولفت مسعود إلى أن الدراسات التي أجريت في مصر تؤكد أن إدخال المخلفات الزراعية في صناعة الأعلاف غير التقليدية يمكن أن يقلل من عجز الأعلاف المركزة بدرجة كبيرة، لافتًا إلى أن هناك أنواعًا عديدة قابلة للتحويل والاستخدام بعد المعالجة، من بينها قش الأرز الذي يتم تحسين قيمته الغذائية من خلال المعالجة بالأمونيا، إضافة إلى تبن الشعير والقمح وحطب الذرة وبقايا الخضر والفاكهة الناتجة عن مصانع الخضر والفواكه المجمدة والمبردة، فضلًا عن مخلفات صناعة السكر من قصب السكر ومخلفات البقوليات.
وأوضح أن نتائج الأبحاث العلمية تشير إلى أن إعادة تدوير هذه المخلفات يمكن أن تحقق عائدًا اقتصاديًا واضحًا، خاصة أنها تسهم في تقليل فاتورة استيراد الذرة من الخارج بالعملة الصعبة، مؤكدًا أن تحقيق ذلك يتطلب توعية المزارعين بطرق جمع المخلفات ومعالجتها، وهو الدور الذي يجب أن يقوم به جهاز الإرشاد الزراعي من خلال نقل المعرفة والتكنولوجيا الحديثة إلى الحقول.
تدريب المزارعين شرط أساسي للاستفادة من المخلفات
وشدد المدير التنفيذي لمركز معلومات الأمن الغذائي على أهمية تدريب المزارعين والمربين على طرق معالجة المخلفات الزراعية، وحساب تكاليف التجهيز والمعالجة باستخدام المعدات الخاصة بالتقطيع والتقشير والمعالجات المختلفة، إلى جانب ضرورة وضع معايير جودة رسمية للأعلاف غير التقليدية.
كما أكد أهمية إنشاء مراكز لتجميع المخلفات بالقرب من المناطق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، مع تدريب المزارعين على تشغيل معدات المعالجة والاستفادة من هذه المخلفات في إنتاج الأعلاف والطاقة الحيوية.
إمكانية إحلال المخلفات محل جزء كبير من الذرة
وأضاف مسعود أن المخلفات الزراعية يمكن أن تحل محل نسبة كبيرة من الذرة المستوردة في الأعلاف المركزة، إذ قد تصل نسبة الإحلال إلى 50% من مكونات العلف عند استخدام التكنولوجيا الحديثة في عمليات المعالجة.
وأوضح أن هذه المعالجات تشمل عمليات التخمير والمعالجة الكيميائية بالأمونيا لقش الأرز لتحسين القيمة الغذائية، لافتًا إلى أن المخلفات المستخدمة تشمل قش الأرز وتبن الشعير والقمح وعروش الخضر ومخلفات تفل البنجر وكسب بذور القطن ودوار الشمس، والتي يمكن أن تمثل ما لا يقل عن 60% من مكونات العلف المتكامل، مع إمكانية إنتاج أعلاف تحتوي على نسبة بروتين تتراوح بين 12 و16%.
تقليل فاتورة استيراد الذرة في مصر
وأشار مسعود إلى أن مصر تستورد الذرة الصفراء المستخدمة في صناعة الأعلاف بقيمة تصل إلى نحو 2.5 مليار دولار سنويًا، ضمن واردات الحبوب التي تبلغ نحو 8.5 مليار دولار سنويًا.
وأوضح أن المخلفات الزراعية يمكن أن توفر ما بين 20 و30% من إجمالي احتياجات الأعلاف والطاقة والبروتين للمواشي الكبيرة مثل الأبقار والجاموس والأغنام، كما يمكن أن ترتفع هذه النسبة إلى نحو 40% من حجم الاستهلاك المحلي عند إضافة السيلاج إلى الأعلاف الخضراء وتحسين القيمة الغذائية لها.
خطوات عملية للاستفادة من المخلفات الزراعية
وأكد أن الاستفادة الاقتصادية من المخلفات الزراعية تتطلب عدة خطوات مهمة، تبدأ بحصر كميات المخلفات في المحافظات المختلفة وتحديد حجم الإنتاج السنوي من قش الأرز وتبن القمح والشعير، خاصة في محافظات الدلتا، ثم التعاقد مع المزارعين وتقديم حوافز مالية مقابل كل طن يتم جمعه.
كما تتضمن الخطوات إنشاء وحدات لمعالجة وتكسير وخلط وتعبئة المخلفات وتسويقها للمربين، بما يحقق الاستفادة الاقتصادية منها ويمنع حرقها في الحقول وما ينتج عنه من تلوث بيئي وخسارة لقيمتها الاقتصادية.
اعتبارات اقتصادية وفنية لإنتاج الأعلاف
وأوضح مسعود أنه يجب أيضًا إنشاء مخازن للتخزين الجاف للحفاظ على المخلفات الزراعية من التلف، مع إجراء دراسات اقتصادية لحساب كمية المخلفات المتاحة وحجم العلف المتكامل الذي يمكن إنتاجه منها، إضافة إلى تقدير تكلفة التصنيع وسعر الطن في السوق المحلي وحجم الإحلال من الذرة وفول الصويا المستوردة.
وأكد أن نجاح هذه المشروعات يتطلب توفير دعم حكومي مناسب، إلى جانب تقديم تسهيلات تمويلية وإعفاءات تشجع على الاستثمار في هذا المجال الحيوي.
معالجة المخلفات لرفع قيمتها الغذائية
وشدد مسعود على أن بعض المخلفات الزراعية مثل تبن القمح وحطب الذرة تحتوي على نسب مرتفعة من الألياف الخام ونسبة منخفضة من البروتين تتراوح بين 2 و4%، إضافة إلى انخفاض الطاقة، وهو ما يجعلها غير مناسبة للاستخدام المباشر في الأعلاف دون معالجة.
وأوضح أن المعالجة الكيميائية باستخدام الأمونيا أو اليوريا بنسبة 4% لمدة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع تساعد على كسر الروابط وزيادة نسبة البروتين من 3% إلى نحو 8 أو 10%، كما ترفع معدلات الهضم بنسبة تتراوح بين 20 و30%، ما يسمح بإدخالها في علائق المجترات بنسبة قد تصل إلى 40%.
المعالجة البيولوجية والتكنولوجية للأعلاف
وأضاف أن المعالجة البيولوجية باستخدام الفطريات المحللة يمكن أن ترفع القابلية للهضم وتزيد نسبة البروتين إلى نحو 12 أو 14%، كما يمكن استخدام البكتيريا النافعة مع المولاس في وجود رطوبة مناسبة لإنتاج السيلاج، ما يساعد على تحسين الهضم والطاقة ورفع نسبة البروتين إلى نحو 10 أو 12% في مخلفات الذرة.
وأشار كذلك إلى استخدام بعض الإنزيمات التي ترفع الهضم بنسبة تصل إلى 15% وتحسن كفاءة التحويل الغذائي، وهي تقنيات تستخدم بالفعل في مصانع الأعلاف عالميًا، إلى جانب المعالجة بالبثق الحراري Extrusion technology.
وفي المقابل، أكد مسعود رفضه إدخال الحشرات مثل ذبابة الجندي الأسود في صناعة الأعلاف، محذرًا من مخاطرها البيئية والصحية التي قد تترتب على استخدامها.


.jpg)












