الأرض
السبت 14 فبراير 2026 مـ 10:09 مـ 26 شعبان 1447 هـ
موقع الأرض
رئيس مجلس الإدارةخالد سيفرئيس التحريرمحمود البرغوثيالمدير العاممحمد صبحي

ثلاثية الحضارة.. مهرجان الزيتون ومسابقـة الأهرام الدولية في رحاب المتحف الزراعي

د. عادل جبر
د. عادل جبر

في مشهد يعكس تلاقي التاريخ بالعلم، والصناعة بالهوية، احتضن المتحف الزراعي المصري فعاليات مهرجان الزيتون ومسابقـة الأهرام الدولية لزيت الزيتون «كليوباترا»، في دورة جديدة تؤكد أن مصر لا تكتفي باستعادة أمجادها الزراعية، بل تعمل على ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية صاعدة في صناعة زيت الزيتون.

لم يكن اختيار المتحف الزراعي، ذلك الصرح العريق الذي افتتح رسميًا عام 1938 ويعد من أقدم المتاحف الزراعية المتخصصة عالميًا، مجرد خلفية مكانية للحدث، بل كان رسالة رمزية عميقة؛ فهنا حيث تحفظ الذاكرة الزراعية المصرية، يُعاد تقديم الزيتون بوصفه امتدادًا حيًا لحضارة عرفت قيمة الأرض وجودة المنتج واحترام المستهلك.

من الاحتفالية إلى الرؤية الاستراتيجية

جاءت الدورة الثانية من مسابقة الأهرام الدولية لتؤكد أن الحدث تجاوز فكرة المنافسة التقليدية إلى إطار مؤسسي أكثر شمولًا، يقوم على معايير علمية دقيقة في التقييم والتحكيم، ويرتكز إلى منظومة تدريبية واستشارية تسهم في رفع كفاءة المنتج النهائي.

فالمسابقة ليست منصة لتوزيع الجوائز فحسب، بل أداة لتحفيز المنتجين على الالتزام بمعايير الجودة العالمية، وتعزيز ثقافة التقييم الحسي والاختبارات المعملية الدقيقة، بما يضمن تحسين تنافسية زيت الزيتون المصري في الأسواق الدولية.

إن النجاح الذي حققته نسخة «كليوباترا» هذا العام يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة لتطوير الحدث ليصبح منصة إقليمية رائدة، من خلال التوثيق العلمي المنهجي، وإصدار تقارير سنوية تحليلية، وتوسيع قاعدة المحكمين والمتذوقين المعتمدين، وربط نتائج المسابقة بخطط التصدير والترويج الخارجي.

المهرجان… أكاديمية مفتوحة

لم يكتفِ المهرجان ببريق العروض والفعاليات، بل تحوّل إلى مساحة علمية حقيقية، ضمت أساتذة جامعات وباحثين وخبراء دوليين، في سلسلة من المحاضرات والندوات المتخصصة التي ناقشت:

الفروق الدقيقة بين درجات الزيوت ومعايير الجودة العالمية.

أهمية التقييم الحسي في اكتشاف العيوب الفنية وتحسين الخصائص الإيجابية.

دور سلاسل القيمة من الحقل إلى المستهلك في تحقيق أعلى عائد اقتصادي.

اشتراطات التصدير للأسواق الدولية ومتطلبات الامتثال لمعايير السلامة الغذائية.

وهنا تتجلى فلسفة الحدث؛ فالقيمة لا تكمن في الاحتفال بمنتج زراعي فحسب، بل في تحويله إلى محور لتكامل اقتصادي وبحثي، يربط بين المزارع والمصنع والمصدر والباحث الأكاديمي، في منظومة واحدة تسعى لتعظيم القيمة المضافة.

التقييم الحسي… حين يصبح الذوق علمًا

ضمن فعاليات المهرجان، أقيمت الدورة التدريبية الثانية للتقييم الحسي لزيت الزيتون، بمشاركة خبراء ومحكمين معتمدين من المجلس الدولي للزيتون (IOC)، في إطار سعي جاد لتأهيل كوادر مصرية قادرة على تطبيق البروتوكولات الدولية المعتمدة.

فالتقييم الحسي لم يعد مجرد انطباع شخصي، بل علم قائم على أسس منهجية دقيقة، يعتمد على قياس الصفات الإيجابية مثل الفاكهية والمرارة واللذع، والكشف عن العيوب مثل التزنخ أو التخمر، وفق معايير معترف بها دوليًا.

وقد أظهرت جلسات التحكيم تطورًا ملحوظًا في جودة العينات المشاركة، وهو مؤشر حقيقي على نجاح جهود التدريب والإرشاد الفني.

زيت الزيتون المصري… رسالة حضارية واقتصادية

إن الزيتون في مصر ليس مجرد محصول، بل رمز حضاري يمتد عبر آلاف السنين، ويعكس ارتباط الإنسان المصري بأرضه ووعيه بقيمة الغذاء الصحي. واليوم، ومع التوسع في زراعة الأصناف عالية الجودة وتحديث تقنيات العصر والتعبئة، بات زيت الزيتون المصري يمتلك مقومات حقيقية للمنافسة العالمية.

وتظل مسابقة الأهرام الدولية خطوة جوهرية في مسار دعم الاقتصاد الوطني، عبر تعزيز صورة المنتج المصري، وفتح آفاق تصديرية جديدة، وترسيخ ثقافة الجودة والتوثيق العلمي والتكامل المؤسسي.

إن مهرجان الزيتون ومسابقـة الأهرام الدولية يجسدان نموذجًا وطنيًا يجمع بين تراث عريق وعلم حديث ورؤية مستقبلية. وإذا استمر البناء على أسس التدريب والتوثيق والالتزام بالمعايير الدولية، فإن زيت الزيتون المصري مرشح لأن يتحول من منتج تقليدي إلى علامة إقليمية وعالمية تحمل اسم مصر بفخر.

*رئيس قسم الزيوت والدهون – المركز القومي للبحوث

نائب رئيس الجمعية المصرية لسلامة الغذاء