الأرض
الأحد 4 أكتوبر 2026 مـ 01:16 مـ 21 ربيع آخر 1448 هـ
موقع الأرض
رئيس مجلس الإدارةخالد سيفرئيس التحريرمحمود البرغوثيالمدير العاممحمد صبحي
من الحمية إلى الحياة : التغذية الصحية كنمط حياة مستدام للوقاية من الأمراض المزمنة خبير زراعي يوضح برنامج خدمة مشتل البصل من الإنبات حتى تقليع الشتلات المحاصيل الشتوية والأمن الغذائي.. كيف تزيد إنتاجية الفدان وتقلل الفاقد؟ استقرار أسعار الأرز اليوم الأحد 4 أكتوبر 2026 في مصر عضو «زراعة الشيوخ» يكشف خطة تشريعية لرقمنة الثروة الحيوانية وضبط سوق الدواء البيطري نقيب البيطريين ببني سويف: تعيين الشباب ضرورة عاجلة لحماية الثروة الحيوانية حقيقة وصول كيلو الطماطم إلى 45 جنيهاً في أكتوبر وكيل زراعة كفر الشيخ: 4.8 طن للفدان إنتاجية «ياسمين مصري» من الأرز العطري توصيات عاجلة لمزارعي البرسيم المصري.. إرشادات مهمة لزيادة التفريع والإنتاجية ارتفاع أسعار البيض.. تعرف على الأسباب وتحركات «الزراعة» بخصومات 25% ”الزراعة” تجدد تحذيرها: لا نبيع أي منتجات غذائية أونلاين.. والتعامل عبر المنافذ الرسمية فقط توتا أبسولوتا.. 4 أخطاء في مكافحة سوسة الطماطم تهدد المحصول

من الحمية إلى الحياة : التغذية الصحية كنمط حياة مستدام للوقاية من الأمراض المزمنة

د إيمان أحمد محمد السخاوى
د إيمان أحمد محمد السخاوى

لم يعد الغذاء مجرد وسيلة لإمداد الجسم بالطاقة والعناصر الغذائية بل أصبح أحد المحددات المهمة للصحة على مدار مراحل الحياة, فالتغذية أحد المحاور الأساسية في الوقاية من الأمراض المزمنة وتحسين جودة الحياة خاصة في ظل الإرتفاع العالمي في معدلات زيادة الوزن والسمنة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية حيث تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن 43% من البالغين عالمياً بواقع 2.5 مليار كانوا يعانون من زيادة الوزن عام 2022 منهم أكثر من 890 مليوناً يعانون من السمنة بنسبة 16% , و في مصر تُقدَّر نسبة السمنة بين البالغين بنحو 44.3% وفق إحصائيات عام 2022 وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن زيادة الوزن و السمنة ترتبطان بمجموعة من عوامل الخطر الأيضية و التى منها إرتفاع ضغط الدم وإضطراب سكر الدم وإضطراب الدهون وزيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية.

لذلك تؤكد منظمة الصحة العالمية أن النظام الغذائي الصحي يساعد في الوقاية من سوء التغذية و الكثير من تلك الأمراض بالإضافة إلى السكتة الدماغية وبعض أنواع السرطان , كما تؤكد أن النظام الغذائي الصحي يقوم على أربعة مبادئ أساسية هى الكفاية والتوازن والإعتدال والتنوع.

وفي الوقت نفسه يشهد العالم تحولاً في الأنماط الغذائية تتمثل فى زيادة الإعتماد على الأغذية الجاهزة وفائقة التصنيع بالتزامن مع إنخفاض النشاط البدني مما أسهم في زيادة التحديات المرتبطة بالسمنة وإضطرابات التمثيل الغذائي , لذلك لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو " ما الحمية التي أتبعها....؟ " وإنما " كيف أجعل التغذية الصحية جزءاً مستمراً من حياتي ....؟ "

من الحمية المؤقتة إلى نمط الحياة

تعتمد بعض الحميات التقليدية على المنع والحرمان الشديدين بهدف تحقيق فقدان سريع للوزن و قد تكون هذه الإستراتيجيات مناسبة في بعض الخطط العلاجية تحت إشراف متخصص لكن التحدي الأساسي يظل هو الإستمرارية والمحافظة على النتائج.

أما مفهوم التغذية كنمط حياة فيركز على بناء مجموعة من العادات القابلة للتطبيق على المدى الطويل لكى تتحول التغذية من " برنامج مؤقت " إلى سلوك صحي مستمر مثل:

  • إختيار الأغذية ذات القيمة الغذائية المرتفعة.
  • زيادة تنوع الأطعمة النباتية.
  • ضبط أحجام الوجبات.
  • تناول البروتين بصورة مناسبة للإحتياجات الفردية.
  • الحد من السكريات الحرة والصوديوم والدهون المشبعة.
  • تقليل الإعتماد على الأغذية فائقة التصنيع.
  • ممارسة النشاط البدني بإنتظام.
  • النوم الجيد وإدارة الضغوط.

كما أن جودة الغذاء أهم من التركيز على السعرات فقط فلا يمكن إختزال النظام الغذائي الصحي في عدد السعرات الحرارية وحده, فجودة الغذاء تحدد كمية الألياف و الفيتامينات والمعادن والبروتينات والمركبات النباتية النشطة حيوياً التي يحصل عليها الجسم - لذلك توصي منظمة الصحة العالمية بأن يعتمد النظام الغذائي الصحي على مجموعة متنوعة من الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة ومصادر البروتين المناسبة، مع الحد من الأطعمة الغنية بالسكريات الحرة والصوديوم والدهون غير الصحية ومن هنا يمكن أن يكون تحسين جودة النظام الغذائي هدفاً أساسياً بجانب التحكم في إجمالي الطاقة.

الأغذية فائقة التصنيع والتحدي الغذائي الحديث

أصبحت الأغذية فائقة التصنيع Ultra-processed foods )) جزءاً متزايداً من العادات الغذائية الحديثة، وتشمل العديد من الوجبات الجاهزة والوجبات الخفيفة والمشروبات المحلاة وبعض المنتجات الغذائية شديدة التصنيع , و في مراجعة شاملة منشورة في BMJ عام 2024، شملت 45 تحليلًا مجمعاً ونحو 9.9 مليون مشارك، أوضحت أن هناك إرتباط بين زيادة إستهلاك الأغذية فائقة التصنيع و زيادة مخاطر الإصابة بـ 32 عارضاً صحياً ضاراً تشمل أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري من النوع الثاني و إضطرابات الصحة العقلية مثل القلق والاكتئاب بالإضافة إلى الوفاة المبكرة.

و كانت أبرز النتائج التي توصلت إليها هذه المراجعة الشاملة :

  • أمراض القلب والأوعية الدموية: ارتبط الاستهلاك العالي بزيادة خطر الوفاة المرتبطة بأمراض القلب بنسبة تصل إلى 50% .
  • الصحة العقلية: أظهرت البيانات ارتفاع خطر الإصابة بالقلق والاضطرابات العقلية الشائعة بنسبة تتراوح بين 48 إلى 53%، وزيادة خطر الاكتئاب.
  • الأمراض الإستقلابية : إرتبط بارتفاع خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني بنسبة 12 % فضلاً عن زيادة مخاطر السمنة.
  • الوفاة المبكرة: سُجلت زيادة بنسبة 21 % في خطر الوفاة الناجمة عن أي سبب .

و بعيداً عن هذه النتائج لا نستطيع أن نجزم أن كل غذاء مصنع ضار و لكن هناك ضرورة فى تقليل الإعتماد على الأغذية فائقة التصنيع لصالح الأطعمة الكاملة أو الأقل تصنيعاً ضمن نظام غذائي متنوع , كما إن تحسين جودة النظام الغذائي و المتمثلة فى تحسين جودة الكربوهيدرات وزيادة الألياف وإختيار مصادر الدهون الصحية وتوفير البروتين بالكمية المناسبة إلى جانب النشاط البدني يرتبط إرتباطًاً وثيقاً بالصحة الأيضية.

و إذا نظرنا إلى العلاقة بين الغذاء والصحة النفسية فلا تقتصر العلاقة بين التغذية والصحة على القلب والتمثيل الغذائي، بل تمتد إلى الدماغ والجهاز العصبي, حيث يمثل الغذاء مصدر للوحدات البنائية للناقلات العصبية و كذلك مصدراً للعديد من المركبات التى تساهم أداء الجهاز العصبى بل تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود تفاعل معقد بين الغذاء والميكروبيوم والجهاز العصبي من خلال محور الأمعاء– الدماغ , مع التأكيد على أن الغذاء ليس علاجاً منفرداً للاضطرابات النفسية، وإنما يمثل أحد مكونات منظومة الصحة التي تشمل النوم والنشاط البدني والدعم الإجتماعي والرعاية الطبية والنفسية عند الحاجة.

إن التغذية الواعية Mindful Eating تمثل إتجاهاً مهماً في بناء علاقة أكثر توازناً مع الطعام , وتشمل التغذية الواعية : الإنتباه إلى إشارات الجوع و الشبع و تناول الطعام ببطء و التركيز على طعم الطعام وقوامه , تقليل تناول الطعام أمام الشاشات , التمييز بين الجوع الحقيقي والأكل المرتبط بالتوتر أو الملل.

و عندما نسأل هل يوجد نظام غذائي واحد يناسب الجميع ....؟ تكون الإجابة قطعاً لا حيث توضح منظمة الصحة العالمية أن مكونات النظام الغذائي الصحي تختلف بحسب العمر والجنس ومستوى النشاط والحالة الصحية والسياق الثقافي والأطعمة المتاحة محلياً, ولهذا أصبح التخصيص الغذائي من الاتجاهات المهمة في علوم التغذية الحديثة , فما يناسب شخصاً يعاني من السمنة ومقاومة الإنسولين قد لا يكون هو نفسه الأنسب لشخص آخر، كما تختلف الإحتياجات الغذائية في مراحل العمر المختلفة.

إن التغذية المستدامة تبدأ حينما يمكن تحويل التغذية الصحية إلى نمط حياة من خلال تغييرات تدريجية واقعية وقابلة للاستمرار تتمثل فى :

  • زيادة الخضروات والفواكه.
  • إدخال مصدر بروتين مناسب في الوجبات الرئيسية.
  • استبدال جزء من الحبوب المكررة بالحبوب الكاملة.
  • تقليل المشروبات المحلاة.
  • تقليل الإعتماد على الأغذية فائقة التصنيع.
  • تنظيم أحجام الوجبات.
  • زيادة الحركة اليومية.
  • تحسين جودة النوم.

و بالتوازى مع هذا المسار يتأتى دور التثقيف الغذائي فلا يكفي أن نقول للإنسان " تناول طعاماً صحياً " بل يجب أن نعلمه كيف يختار الطعام في الحياة اليومية - قراءة البطاقة الغذائية - فهم أحجام الحصص الغذائية - التخطيط للوجبات و التعامل مع المناسبات الاجتماعية و التعامل مع الإعلانات الغذائية بجانب إختيار البدائل الصحية المناسبة للميزانية والثقافة المحلية , وهنا يتحول إختصاصي التغذية من مجرد مقدم "جدول غذائي" إلى شريك في بناء السلوك الصحي.

إن المسؤول عن بناء نمط حياة صحي ليس فرداً بعينه رغم أهمية الإختيارات الفردية، فإن البيئة المحيطة تؤثر بصورة كبيرة في السلوك الغذائي , وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن السمنة كمثال تتأثر بعوامل بيئية ومجتمعية واقتصادية وأن توفير أغذية صحية ميسورة التكلفة وبيئات داعمة للنشاط البدني جزء من الحل , لذلك فإن مواجهة تحديات التغذية الحديثة تحتاج إلى تكامل أدواربين كلاً من الفرد و الأسرة و المدرسة و الجامعة و المؤسسات الصحية و صناعة الغذاء بالإضافة إلى المجتمع.

إن التغذية الصحية ليست قائمة طويلة من الممنوعات وليست برنامجاً مؤقتاً لإنقاص الوزن بل إنها طريقة للحياة تقوم على التنوع والتوازن والإعتدال والإستمرارية , وفي عصر ترتفع فيه معدلات السمنة والأمراض المزمنة يصبح الإستثمار في العادات الغذائية الصحية جزءاً من الإستثمار في الصحة المستقبلية والتحول الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من " أريد أن أخسر وزني" إلى " أريد أن أبني حياة تساعدني على الحفاظ على صحتي "

فالغذاء الذي نتناوله اليوم لا يمثل مجرد وجبة , بل هو جزء من البيئة التي يتشكل داخلها مستقبل صحتنا و فى النهاية إننا لا نحتاج إلى حمية مثالية نلتزم بها لفترة قصيرة، بل إلى عادات صحية نستطيع أن نعيش بها لفترة طويلة.

باحث مساعد .. معهد بحوث تكنولوجيا اللأغذية – الإسكندرية*