الأرض
الإثنين 27 يوليو 2026 مـ 12:45 مـ 11 صفر 1448 هـ
موقع الأرض
رئيس مجلس الإدارةخالد سيفرئيس التحريرمحمود البرغوثيالمدير العاممحمد صبحي

الغش بالألوان الصناعية… بين الجاذبية والخطر

م. ياسين حمدي
م. ياسين حمدي

حوار بسيط بين الأصدقاء يكشف الحقيقة عاطف - ليه اللب لونه أصفر فاقع كده؟ هل اللون ده طبيعي؟
خالد - أكيد ألوان صناعية وده عشان يجذب العين ويزود المبيعات ... ده شغل تجار، أهم حاجة عندهم المكسب السريع.
بهذا الحوار البسيط تتكشف واحدة من أخطر الظواهر التي أخذت في الانتشار مؤخرًا، وهي استخدام الألوان الصناعية غير الغذائية أو استخدام المضافات الغذائية بصورة مخالفة بهدف جذب المستهلك وتحقيق مكاسب سريعة، دون اعتبار لصحته أو سلامته.

الغش بالألوان الصناعية… بين الجاذبية والخطر
مع المنافسة التجارية الشديدة، يلجأ بعض ضعاف النفوس إلى طرق غير مشروعة لزيادة مبيعاتهم، ومن أبرزها إضافة ألوان صناعية بكميات كبيرة أو استخدام مواد غير مخصصة للاستهلاك الغذائي أساسًا لإضفاء مظهر جذاب على المنتجات.
والحقيقة أن المشكلة لا تكمن دائمًا في المادة نفسها، بل في طريقة استخدامها والجرعات المضافة ومدى الالتزام بالمواصفات الصحية. فهناك مواد مصرح بها عالميًا، لكن استخدامها بشكل عشوائي أو مفرط يحولها إلى خطر حقيقي.

نماذج واقعية تزيد القلق
عادت قضية المضافات الغذائية إلى دائرة الضوء بعد ضبط كميات من مادة التارترازين تُستخدم في تلوين منتجات غذائية بطريقة غير مطابقة للمواصفات، بالتزامن مع استمرار الجدل حول استخدام ثاني أكسيد التيتانيوم في بعض الصناعات الغذائية.
هذه الوقائع تمثل نموذجًا واضحًا لحالات الغش، حيث يتم استغلال هذه المواد لإضفاء شكل جذاب على المنتج، دون الالتزام بالحدود الآمنة.

التارترازين (E102): لون أصفر… وتحذيرات صحية
التارترازين هو صبغة صناعية تُستخدم لإعطاء اللون الأصفر أو البرتقالي للمنتجات مثل العصائر والحلوى. ورغم أنه مسموح باستخدامه ضمن حدود معينة، إلا أنه أثار جدلًا واسعًا بسبب تأثيراته المحتملة:
* قد يسبب حساسية لدى بعض الأشخاص.
* تشير دراسات إلى ارتباطه بزيادة فرط الحركة لدى بعض الأطفال.
* حددت الجهات الأوروبية الجرعة اليومية المقبولة بـ 7.5 ملليجرام لكل كيلوجرام من وزن الجسم.
ولخطورة الإفراط، تفرض بعض الدول وضع تحذيرات على المنتجات التي تحتوي عليه.

ثاني أكسيد التيتانيوم (E171): الجمال الظاهري مقابل الشكوك العلمية
هذا المركب يُستخدم لإعطاء المنتجات لونًا أبيض ناصعًا، ما يزيد من جاذبيتها. لكنه أصبح محل جدل بعد ظهور دراسات تشير إلى:
* احتمالية تراكم جزيئاته داخل الجسم مع التعرض المستمر.
* صعوبة استبعاد تأثيره على المادة الوراثية للخلايا.
ولهذا، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى إيقاف استخدامه كمضاف غذائي كإجراء احترازي، في ظل استمرار الدراسات حول تأثيراته طويلة المدى.

الغش الغذائي: كيف يحدث؟
يحدث الغش عادة عندما يقوم بعض المنتجين بـ:
* استخدام كميات أكبر من الحد المسموح من المضافات.
* إدخال هذه المواد في منتجات غير مخصصة لها.
* استخدام مواد صناعية غير غذائية لإعطاء لون جذاب.
* إنتاج سلع مجهولة المصدر دون رقابة صحية.
والأخطر أن هذه المواد غالبًا لا يمكن اكتشافها بالعين المجردة، مما يجعل المستهلك عرضة للخداع.

لماذا تنتشر هذه الظاهرة؟
يرجع انتشار هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، منها:
* السعي لتحقيق مكاسب سريعة دون مراعاة الجودة.
* ضعف الرقابة في بعض المناطق أو التلاعب للتحايل عليها.
* انخداع المستهلك بـ الألوان الزاهية والشكل الجذاب.
الآثار الصحية المحتملة
الاستخدام غير الآمن للألوان الصناعية قد يؤدي إلى:
* الحساسية والطفح الجلدي
* اضطرابات الجهاز الهضمي
* تأثيرات عصبية لدى الأطفال
* مخاطر محتملة على الخلايا مع التعرض طويل المدى
وهنا يتحول الغذاء من مصدر للحياة إلى مصدر للمرض.
دور الأجهزة الرقابية: خط الدفاع الأول
تلعب الأجهزة الرقابية دورًا حاسمًا في مواجهة هذه الظاهرة، حيث:
* تقوم بـ حملات تفتيش مفاجئة على المصانع والأسواق.
* تضبط المنتجات المخالفة وتسحبها من التداول.
* تُطبق عقوبات قانونية صارمة على المخالفين.
* تصدر تحذيرات وتوجيهات لحماية المستهلك.
ووجود هذه الأجهزة "بالمرصاد" يمثل عامل ردع حقيقي لكل من يفكر في الغش.

كيف يحمي المستهلك نفسه؟
يمكن للمستهلك أن يساهم في حماية نفسه من خلال:
* شراء المنتجات من مصادر موثوقة
* قراءة الملصقات الغذائية بعناية
* تجنب المنتجات مجهولة المصدر
* عدم الانخداع بالألوان الصناعية الزاهية
* متابعة تحذيرات الجهات المختصة

الخلاصة
يبقى التوازن بين استخدام المضافات الغذائية بشكل آمن وبين الغش الغذائي هو الفاصل الحقيقي بين منتج صحي وآخر قد يشكل خطرًا على حياة الإنسان. فبينما تخضع المواد الغذائية لرقابة صارمة عندما تُستخدم بشكل قانوني، تتحول إلى تهديد صامت عندما تُستغل لتحقيق الربح السريع.
وفي النهاية، تظل المسؤولية مشتركة بين المنتج النزيه، والرقابة الصارمة، والمستهلك الواعي… لأن صحة الإنسان ليست مجالًا للتجربة أو المغامرة.

*خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الاسكندرية