الأرض
الخميس 28 مايو 2026 مـ 08:59 مـ 11 ذو الحجة 1447 هـ
موقع الأرض
رئيس مجلس الإدارةخالد سيفرئيس التحريرمحمود البرغوثيالمدير العاممحمد صبحي

خبراء يكشفون أسرار انهيار القطن المصري في الأسواق

 القطن المصري
 القطن المصري

حذر خبراء ومتخصصون في الاقتصاد الزراعي من استمرار تراجع المساحات المزروعة بالقطن المصري، مؤكدين أن غياب منظومة تسويق عادلة وانخفاض أسعار التوريد باتا يمثلان التهديد الأكبر لمحصول طالما اعتُبر أحد أهم أعمدة الاقتصاد الزراعي المصري ورمزًا عالميًا للجودة الفائقة.

القطن المصري.. من عرش العالمية إلى تراجع المساحات
أكد الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بكلية الزراعة جامعة القاهرة، أن القطن المصري كان على مدار عقود طويلة من أبرز الزراعات الاستراتيجية التي وضعت مصر في صدارة الأسواق العالمية، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا في المساحات المزروعة بسبب ضعف التسويق وتدني الأسعار، ما دفع قطاعًا واسعًا من المزارعين إلى الاتجاه نحو محاصيل تحقق عائدًا اقتصاديًا أسرع وأعلى.

وأوضح صيام أن الدولة أنشأت خلال السنوات الماضية مصانع حديثة للغزل والنسيج بهدف تعظيم القيمة المضافة للقطن المصري بدلاً من تصديره خامًا، إلا أن تلك الجهود لم تنعكس حتى الآن بصورة كافية على المزارع، الذي لا يزال يعاني من ارتفاع تكاليف الإنتاج مقابل انخفاض العائد.

أسعار القطن لا تغطي تكاليف الزراعة
وأشار أستاذ الاقتصاد الزراعي إلى أن سعر القنطار خلال الموسم الماضي وصل إلى نحو 8 آلاف جنيه فقط، مقارنة بنحو 15 ألف جنيه في الموسم السابق، وهو ما تسبب في خسائر كبيرة للمزارعين، خاصة مع الارتفاع المستمر في أسعار مستلزمات الإنتاج والأيدي العاملة وإيجارات الأراضي.

وانتقد صيام نظام المزادات المتبع في تسويق القطن، معتبرًا أنه لا يحقق العدالة المطلوبة للفلاح، موضحًا أن بعض الشركات تتفق فيما بينها على أسعار محددة لا تتناسب مع التكلفة الحقيقية للزراعة، ما يؤدي في النهاية إلى تحميل المزارع وحده عبء الخسائر.

وأضاف أن محصول القطن من الزراعات المرهقة التي تبقى في الأرض لفترة طويلة تصل إلى نحو ثمانية أشهر، وهو ما يجعل كثيرًا من المزارعين يعزفون عن زراعته لصالح محاصيل تحقق دورة ربح أسرع.

تراجع الإنتاج وغياب البحث العلمي
ولفت صيام إلى أن مصر كانت تنتج في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ما يقرب من 10 ملايين قنطار من القطن، بينما شهد الإنتاج لاحقًا تراجعًا ملحوظًا، موضحًا أن بذور القطن المصري عندما انتقلت إلى الولايات المتحدة تضاعفت إنتاجيتها، إذ وصل متوسط إنتاج الفدان هناك إلى نحو 12 قنطارًا، مقارنة بمتوسط 8 قناطير فقط في مصر.

وأكد أن هذا الفارق يعكس وجود أزمة حقيقية في منظومة البحث العلمي والتطوير الزراعي، إلى جانب غياب التسويق الجيد وعدم وجود سياسات سعرية محفزة للمزارعين.

الدولة تتحرك لإحياء صناعة الغزل والنسيج
وفي السياق ذاته، أوضح الدكتور أشرف كمال، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمعهد بحوث الاقتصاد الزراعي، أن الدولة تعمل حاليًا على استعادة قوة صناعة الغزل والنسيج عبر تطوير أصناف القطن وتحديث المحالج وشركات الغزل، مشيرًا إلى أن انخفاض المساحات المزروعة أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج بصورة كبيرة.

وأكد أن النهوض بزراعة القطن يتطلب وجود منظومة متكاملة تبدأ من دعم الفلاح وتنتهي بتوفير سوق تسويقية مستقرة وعادلة تضمن استمرار التوسع في زراعته.

مطالب بخطة عاجلة لإنقاذ المحصول الاستراتيجي
من جانبه، انتقد المهندس محمود الطوخي، عضو الاتحاد التعاوني الزراعي المركزي، تراجع مساحة القطن إلى نحو 125 ألف فدان فقط على مستوى الجمهورية، مؤكدًا أن هذا الانخفاض الحاد يستوجب وضع خطة قومية عاجلة لإنقاذ المحصول الاستراتيجي.

وأوضح أن مصر تمتلك أصنافًا فريدة من القطن طويل التيلة لا توجد في أي دولة أخرى، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية عالمية يجب استغلالها بالشكل الأمثل، خاصة مع ملاءمة الظروف المناخية المصرية لزراعة هذا المحصول.

ودعا الطوخي إلى تعزيز التعاون بين الجمعيات التعاونية الزراعية ومراكز البحوث العلمية من أجل استنباط أصناف تتحمل التغيرات المناخية، إلى جانب وضع آليات حديثة وفعالة لتسويق المحصول وتحقيق عائد اقتصادي عادل للمزارعين.

غياب سعر الضمان يزيد أزمة المزارعين
وفي السياق نفسه، أكد السيد عبد الحفيظ، عضو الجمعية العامة لمنتجي الخضر والفاكهة، أن أزمة القطن تتفاقم بسبب غياب التسويق الواضح وعدم إعلان الحكومة حتى الآن عن سعر ضمان للمحصول.

وأشار إلى أن الأسعار التي تم تداولها خلال الموسم الماضي لم تكن مناسبة إطلاقًا مقارنة بارتفاع أسعار الأسمدة والتقاوي ومستلزمات الإنتاج، وهو ما أدى إلى عزوف أعداد كبيرة من المزارعين عن زراعته.

وأضاف أن القطن كان لسنوات طويلة يمثل مصدر الأمان الاقتصادي للفلاح المصري، إذ اعتمدت عليه الأسر الريفية في تغطية نفقات المعيشة وتعليم الأبناء والزواج، إلا أن تراجع الأسعار وغياب السياسات التسويقية الفعالة تسببا في انهيار المساحات المزروعة بصورة لافتة.

كما طالب بتفعيل المادة 129 من الدستور، التي تنظم آليات تسويق المحاصيل الزراعية وضمان حماية المنتجين من تقلبات السوق والخسائر المتكررة.

القطن المصري بين التاريخ والأمل
ويرى مراقبون أن القطن المصري لا يزال يمتلك فرصة حقيقية لاستعادة مكانته العالمية، خاصة مع امتلاك مصر خبرات تاريخية طويلة في زراعته وصناعته، إلا أن نجاح ذلك يتطلب إعادة بناء منظومة متكاملة تبدأ من توفير سعر عادل للمزارع، مرورًا بالتطوير البحثي والتكنولوجي، وصولًا إلى فتح أسواق تصديرية قوية تعيد لـ"الذهب الأبيض" مكانته التي يستحقها.