الثروة السمكية تحذر من مخاطر إطلاق زريعة البلطي «وحيد الجنس»
قال الدكتور أحمد درغام، الباحث بالمعمل المركزي لبحوث الثروة السمكية بقسم بحوث التربية ووراثة الأسماك، أن إدارة المصايد الطبيعية في المجاري المائية المفتوحة، وعلى رأسها نهر النيل وفروعه والترع الرئيسية، تمثل أحد أهم محاور تحقيق الأمن الغذائي المستدام، مؤكدًا أن التعامل مع هذه النظم البيئية يجب أن يختلف تمامًا عن آليات الاستزراع السمكي التجاري المكثف.
وأكد درغام أن الخلط بين مفهوم تنمية المصايد الطبيعية وفكرة الاستزراع المغلق يؤدي إلى نتائج بيئية واقتصادية غير محسوبة، خاصة مع التوسع في إطلاق زريعة البلطي “وحيد الجنس” داخل المجاري المائية المفتوحة، وهو ما يهدد التوازن البيئي والوراثي للأسماك على المدى الطويل.
تحذيرات من إطلاق البلطي “وحيد الجنس” في نهر النيل
وأشار الباحث إلى أن الاعتماد على زريعة البلطي أحادية الجنس أو غير القادرة على التكاثر الطبيعي داخل النهر وفروعه يحمل العديد من المخاطر التي قد تؤثر سلبًا على استدامة المخزون السمكي، موضحًا أن هذه الأسماك لا تساهم في تجديد الأجيال المائية بصورة طبيعية، ما يؤدي إلى فجوات مستقبلية في الإنتاج السمكي.
وأضاف أن بعض أنواع البلطي “وحيد الجنس” قد تظهر ظاهريًا بصفات الذكور، بينما تحمل في تركيبها الوراثي صفات أنثوية، وهو ما قد يتسبب في تلوث وراثي داخل البيئات الطبيعية، ويؤثر على التوازن بين الذكور والإناث مستقبلًا.
الحفاظ على السلالات الطبيعية أولوية
وشدد الدكتور أحمد درغام على أهمية الحفاظ على البصمة الوراثية لأسماك البلطي النيلي البري، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة التغيرات المناخية والأمراض المائية الناشئة، مؤكدًا أن إدخال سلالات غير مدروسة أو ضعيفة وراثيًا قد يؤدي إلى تراجع التنوع البيولوجي داخل النهر والبحيرات.
وأوضح أن السلالات الطبيعية تمتلك صفات مهمة، مثل القدرة على مقاومة الأمراض وتحمل الظروف البيئية المختلفة، فضلًا عن كفاءتها في النمو والهروب من المفترسات، وهي عوامل تضمن استمرار دورة الحياة الطبيعية داخل المجاري المائية.
خسائر اقتصادية بسبب إطلاق الزريعة الصغيرة
وأكد الباحث أن إطلاق اليرقات والزريعة في أعمار صغيرة جدًا داخل المجاري المفتوحة يؤدي إلى ارتفاع نسب النفوق والفقد الطبيعي، نتيجة التعرض للافتراس أو الانجراف مع التيارات المائية، ما يهدر جزءًا كبيرًا من جهود التنمية والاستثمار في قطاع الثروة السمكية.
وأشار إلى أن الحل يكمن في تطبيق استراتيجيات “التحضين المسبق”، التي تعتمد على تربية الزريعة لفترات مناسبة قبل إطلاقها، بما يرفع معدلات البقاء ويحقق أفضل استفادة اقتصادية وبيئية.
رؤية علمية لتنمية المصايد الطبيعية
وكشف الدكتور أحمد درغام عن رؤية علمية متكاملة لإدارة أفرع النيل والترع، تقوم على إطلاق زريعة “مختلطة الجنس” ناتجة من أمهات برية من نفس البيئة المستهدفة، بهدف دعم التكاثر الذاتي الطبيعي والحفاظ على الخصائص الوراثية لكل منطقة.
وأوضح أن هذه الآلية تساهم في بناء مخزون سمكي مستدام وقادر على التجدد بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى تدخلات مستمرة أو تحميل الدولة أعباء اقتصادية إضافية.
مراعاة السعة التحميلية للمسطحات المائية
ودعا الباحث إلى ضرورة مراعاة السعة التحميلية للمجاري المائية عند تنفيذ خطط دعم المخزون السمكي، إلى جانب تنظيم عمليات تطهير الترع والمصارف بما يحافظ على مناطق حضانة البيض الطبيعية على الحواف.
وأكد أن التعامل العلمي مع النهر يجب أن ينطلق من كونه نظامًا بيئيًا متكاملًا، يحتاج إلى إدارة دقيقة تحافظ على توازنه الطبيعي، وليس مجرد حوض استزراع مغلق يتم ملؤه بالزريعة دون حسابات بيئية واضحة.
الأمن الغذائي يبدأ من حماية النظم البيئية
واختتم الدكتور أحمد درغام تصريحاته بالتأكيد على أن تحقيق الاستدامة الحقيقية في قطاع الثروة السمكية يعتمد على بناء بيئة مائية قادرة على الإنتاج الذاتي المستمر بأقل تكلفة بيئية واقتصادية، مشيرًا إلى أن حماية التنوع الوراثي للأسماك والحفاظ على التوازن البيئي يمثلان حجر الأساس لمستقبل الأمن الغذائي في مصر.


.jpg)
























