التغيرات العالمية تشعل أسعار الأعلاف.. وخبراء يطرحون حلولًا جديدة
قال الدكتور أيمن عبدالمحسن، أستاذ تغذية الحيوان بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني ونائب رئيس قطاع الإنتاج لشئون الإنتاج الحيواني، إن أزمة الأعلاف أصبحت واحدة من أخطر التحديات التي تواجه قطاع الثروة الحيوانية في مصر، في ظل الاعتماد الكبير على استيراد خامات العلف الأساسية، وارتفاع تكاليف الإنتاج عالميًا، الأمر الذي يفرض ضرورة التحرك نحو حلول أكثر استدامة لتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك وتقليل الضغط على السوق المحلية.
وأوضح عبدالمحسن أن الأعلاف تمثل ما بين 60 إلى 70% من إجمالي تكلفة الإنتاج الحيواني، وهو ما يجعل أي اضطراب في أسعارها أو توافرها ينعكس بصورة مباشرة على أسعار اللحوم والدواجن ومنتجات الألبان، مؤكدًا أن التغيرات الجيوسياسية العالمية خلال السنوات الأخيرة كشفت حجم التحديات التي تواجه الدول المستوردة للخامات العلفية، خاصة الدول النامية.
فجوة علفية تهدد قطاع الإنتاج الحيواني
وأشار أستاذ تغذية الحيوان إلى أن مصر ما زالت تعاني فجوة علفية كبيرة، موضحًا أن المساحات المزروعة من الذرة الصفراء تتراوح بين 2.8 إلى 3 ملايين فدان تقريبًا، يتم توجيه نحو 1.8 مليون فدان منها لإنتاج السيلاج، بينما يُستخدم الجزء المتبقي لإنتاج الحبوب.
وأضاف أن احتياجات السوق المصرية تتطلب ما بين 9 إلى 10 ملايين فدان من الذرة، ما يعكس حجم الفجوة الحالية، لافتًا إلى أن الذرة الصفراء وكسب فول الصويا يمثلان المكونين الرئيسيين لصناعة الأعلاف.
وأكد أن مصر تستورد نحو 3 ملايين طن من فول الصويا سنويًا نتيجة محدودية المساحات المزروعة محليًا، مشيرًا إلى أن أعلاف الدواجن تعتمد على نسب تصل إلى 60% من الذرة و30% من فول الصويا، بينما تحتاج الحيوانات الكبيرة إلى نسب متفاوتة من الذرة والصويا، وهو ما يضاعف فاتورة الاستيراد ويزيد الضغط على العملة الأجنبية.
بدائل جديدة لمواجهة أزمة الأعلاف
وكشف الدكتور أيمن عبدالمحسن عن اتجاه وزارة الزراعة للتوسع في تصنيع الأعلاف غير التقليدية، بهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير بدائل محلية بنفس القيمة الغذائية.
وأوضح أن هناك صعوبة في استبدال مكونات أعلاف الدواجن التجارية، خاصة خلال مراحل التربية السريعة، إلا أن الأمر يختلف بالنسبة للحيوانات الكبيرة مثل الأبقار والجاموس والأغنام والماعز، حيث يمكن الاستفادة من عدد من المخلفات الزراعية والصناعية في تصنيع الأعلاف.
وأشار إلى أن بدائل الأعلاف تشمل مخلفات التمور، وتفل الطماطم والعنب والتفاح، إضافة إلى بذور المانجو والمشمش، وهي خامات يمكن أن تسهم في خفض التكلفة وتحقيق استفادة اقتصادية من المخلفات الزراعية.
80% من خامات الأعلاف تعتمد على الاستيراد
وأوضح عبدالمحسن أن معدلات الاستيراد من الخارج تتراوح بين 60 و80% من احتياجات الذرة الصفراء وفول الصويا، ويتم استيرادها من دول مثل روسيا والولايات المتحدة والأرجنتين.
ولفت إلى أن الدولة توسعت خلال السنوات الأخيرة في الرقعة الزراعية بنحو 2.2 مليون فدان، تشمل مناطق الصحراء الغربية والفرافرة وغرب المنيا، مؤكدًا أن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي يتطلب زراعة نحو 4.4 مليون فدان إضافية من المحاصيل العلفية.
وفي السياق ذاته، حذر من انتشار بعض صور غش الأعلاف، مثل إضافة اليوريا أو ريش الطيور لرفع نسب البروتين بشكل وهمي، رغم صعوبة هضمها وتأثيرها السلبي على صحة الحيوانات وجودة الإنتاج.
“علف الفيل” يدخل بقوة لتخفيف الضغط على الذرة الصفراء
ومن جانبه، أكد محمد سعد، رئيس مجلس إدارة جمعية القصاصين القديمة للثروة الحيوانية، أن الذرة الصفراء لا تزال أكثر خامات الأعلاف استيرادًا بسبب استخدامها المكثف في صناعة أعلاف الدواجن والمواشي.
وأشار إلى ظهور أنواع جديدة من الأعلاف الخضراء داخل السوق المصرية، أبرزها “علف الفيل”، الذي أصبح يمثل بديلًا واعدًا في تغذية الماشية، خاصة مع قدرته على زيادة إنتاج اللحوم والألبان ورفع نسب البروتين.
وأوضح أن الأعلاف تعتمد في الأساس على تركيبات غذائية متوازنة تحتوي على نسب مرتفعة من البروتين، يتم إنتاجها من نخالة القمح وبعض الإضافات المعدنية لتحقيق أعلى استفادة غذائية.
مصر تحقق 40% فقط من الاكتفاء الذاتي
وأكد محمد سعد أن نسبة الاكتفاء الذاتي من الأعلاف في مصر لا تتجاوز حاليًا 40%، بينما يتم استيراد نحو 60% من احتياجات الذرة وفول الصويا من الخارج.
وأضاف أن هناك جهودًا للتوسع في زراعة الذرة الصفراء والذرة العويجة، باعتبارهما من أهم المحاصيل الداخلة في صناعة الأعلاف، خاصة مع ارتفاع نسبة البروتين بهما.
كما شدد على ضرورة تعزيز التنسيق بين وزارتي الزراعة والتجارة والاتحاد التعاوني الزراعي، مع مراجعة بعض التشريعات المنظمة للعلاقة بين الجهات المعنية والمزارعين، بما يسهم في دعم منظومة الإنتاج الزراعي والحيواني.
سياسات جديدة لمواجهة الأزمة
وفي السياق نفسه، أكد الدكتور عبد المنعم صدقي، أستاذ بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني بمركز البحوث الزراعية، أن مواجهة أزمة الأعلاف تتطلب رؤية شاملة تعتمد على التكامل بين السياسات الزراعية والاقتصادية والتكنولوجية، بدلًا من الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
وأوضح أن التوسع في زراعة المحاصيل العلفية يجب أن يرتبط باستخدام أصناف محسنة تتحمل الجفاف والملوحة، إلى جانب تطبيق نظم الري الحديثة مثل الري الذكي والتنقيط، لضمان الاستخدام الأمثل للموارد المائية.
وأشار إلى أهمية دمج المحاصيل العلفية ضمن الدورات الزراعية لتحسين خصوبة التربة وتحقيق استدامة الإنتاج الزراعي.
المخلفات الزراعية تتحول إلى ثروة اقتصادية
وأوضح صدقي أن المخلفات الزراعية يمكن أن تتحول إلى مصدر مهم لصناعة الأعلاف، من خلال إعادة تدوير قش الأرز وحطب الذرة بعد معالجتها كيميائيًا أو بيولوجيًا لرفع قيمتها الغذائية.
وأضاف أن مخلفات الصناعات الغذائية، مثل بقايا مصانع السكر والزيوت، تمثل فرصة واعدة لتوفير بدائل علفية منخفضة التكلفة، مشيرًا إلى أن بعض الدول بدأت بالفعل في التوسع في إنتاج الأعلاف الخضراء باستخدام تقنية “الهيدروبونيك”، التي تتيح إنتاج كميات كبيرة من العلف في مساحات محدودة وباستهلاك أقل للمياه.
التكنولوجيا الحديثة تقلل الفاقد وترفع الإنتاج
وأكد أستاذ الإنتاج الحيواني أن تطوير نظم تغذية الحيوان أصبح عنصرًا حاسمًا في خفض تكاليف الإنتاج، من خلال الاعتماد على تركيبات علفية دقيقة تتناسب مع الاحتياجات الفعلية للحيوان في كل مرحلة عمرية.
وأشار إلى أن استخدام الإضافات العلفية والتقنيات الرقمية وأنظمة الإدارة الذكية داخل المزارع يساعد في تحسين معدلات التحويل الغذائي وتقليل الفاقد وتعظيم العائد الاقتصادي للمربين.
لماذا أصبحت الأعلاف أزمة استراتيجية؟
تتجاوز أزمة الأعلاف حدود القطاع الزراعي، بعدما أصبحت أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في أسعار اللحوم والدواجن والألبان داخل الأسواق المصرية، خاصة مع ارتفاع تكلفة الاستيراد عالميًا وتقلبات أسعار الدولار.
ويرى متخصصون أن نجاح الدولة في تقليل الفجوة العلفية لن ينعكس فقط على استقرار أسعار الغذاء، بل سيمثل خطوة مهمة نحو دعم الأمن الغذائي وتعزيز قدرة قطاع الثروة الحيوانية على مواجهة الأزمات العالمية، في ظل اتجاه متزايد نحو تعظيم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.


.jpg)
























