للزراعة في نهاية أغسطس.. «مسرى» يواصل مفاجآته وتحذيرات هامة للمحاصيل الجديدة
حذّر الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، من التعامل مع الأيام الأخيرة من شهر أغسطس باعتبارها بداية فعلية لانكسار حرارة الصيف، مؤكدًا أن الأجواء لا تزال تحمل ارتفاعًا في درجات الحرارة ورطوبة مرتفعة، وهو ما يفرض على المزارعين قدرًا أكبر من الحذر عند بدء زراعة العروات الخريفية والنيلية والشتوية المبكرة.
ارتفاع الحرارة والرطوبة يفرضان الحذر على المزارعين
وأوضح فهيم، في تحذيراته للمزارعين اليوم الثلاثاء 25 أغسطس 2026، أن شهر أغسطس لا يزال قادرًا على تقديم فترات من الارتفاع الحراري، حتى مع اقتراب نهايته، مشيرًا إلى أن استقرار الطقس خلال يومين لا يعني بالضرورة انتهاء الأجواء الحارة، إذ يمكن أن تعود درجات الحرارة للارتفاع من جديد.
وتشير بيانات هيئة الأرصاد الجوية إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة على أغلب أنحاء الجمهورية، بالتزامن مع ارتفاع نسب الرطوبة، فضلًا عن ظهور الشبورة المائية خلال ساعات الصباح على مناطق واسعة، والتي قد تزداد كثافتها أحيانًا على بعض الطرق، ما يؤدي إلى انخفاض مستوى الرؤية الأفقية.
وتصل درجات الحرارة العظمى إلى نحو 37 درجة مئوية في القاهرة الكبرى، بينما تصل إلى 32 درجة على السواحل الشمالية الغربية، و34 درجة على السواحل الشمالية الشرقية، في حين تسجل مناطق شمال الصعيد نحو 38 درجة، وترتفع إلى 42 درجة في جنوب الصعيد.
لماذا تمثل هذه الأجواء تحديًا للمحاصيل الجديدة؟
تأتي أهمية التحذيرات الحالية بالتزامن مع بدء المزارعين الاستعداد لعدد من العروات الزراعية المهمة، وفي مقدمتها البطاطس النيلية، والبنجر في العروة الأولى، والفاصوليا الشتوية، والثوم المبكر، والبصل الأخضر ومشاتل البصل، والخرشوف والفراولة.
ويرى فهيم أن نجاح هذه الزراعات لا يرتبط بمجرد إتمام عملية الإنبات، وإنما بقدرة النبات على تكوين مجموع جذري قوي خلال مرحلة التأسيس، خاصة أن ارتفاع الحرارة بالتزامن مع الرطوبة قد يؤدي إلى إجهاد النباتات، وانخفاض كفاءة الامتصاص، وضعف نمو وتجديد الجذور، وعدم انتظام الإنبات، فضلًا عن تهيئة ظروف ملائمة لظهور بعض الأمراض والآفات.
هل الوقت مناسب للزراعة؟
وشدد رئيس مركز معلومات تغير المناخ على ضرورة عدم التسرع في اتخاذ قرار الزراعة لمجرد الوصول إلى نهاية أغسطس، موضحًا أن تحديد الموعد المناسب يجب أن يعتمد على الظروف الفعلية للمنطقة، ودرجة حرارة التربة خلال فترة الإنبات والتأسيس، إلى جانب الصنف وحالة الأرض والتقاوي أو الشتلات، وليس على التاريخ وحده.
وفي الحالات التي تكون فيها التقاوي أو الشتلات جاهزة ويضطر المزارع إلى بدء الزراعة، فإن الأمر يتطلب تطبيق الإجراءات الفنية المناسبة منذ اليوم الأول، لأن ضعف بداية المحصول قد ينعكس على أدائه وإنتاجيته طوال الموسم.
تجهيز الأرض يسبق الزراعة
ومن أهم النقاط التي تستحق اهتمام المزارعين في هذه المرحلة تجهيز الأرض بصورة صحيحة، بما يضمن توفير بيئة مناسبة لنمو الجذور وتحسين كفاءة الصرف والامتصاص.
وأشار فهيم إلى أهمية دراسة استخدام الكبريت الزراعي ضمن برنامج تجهيز الأرض وفقًا لتحليل التربة ودرجة الحموضة ونوعها والمحصول المزروع، محذرًا في الوقت نفسه من إضافة كميات عشوائية من الكبريت دون الرجوع إلى تحليل التربة.
فالهدف من معاملات تجهيز الأرض ليس إضافة عنصر بعينه بصورة عشوائية، وإنما توفير بيئة جذرية مستقرة تساعد النبات على تكوين جذور قوية، وتحسن التهوية والصرف وكفاءة امتصاص العناصر الغذائية.
البطاطس النيلية.. البداية القوية تصنع الفارق
تحتاج زراعة البطاطس النيلية إلى عناية خاصة في مرحلة البداية، حيث يجب اختيار تقاوي سليمة وخالية من العفن أو التكسير، مع مراعاة حالتها الفسيولوجية ونشاط العيون، إلى جانب اختيار الأحجام المناسبة للصنف وطريقة الزراعة.
ويستهدف المزارع من خلال هذه الإجراءات تحقيق إنبات سريع ومتجانس، والحصول على عدد مناسب من العيون النشطة، مع تكوين مجموع جذري قوي قادر على تحمل الظروف الجوية خلال المراحل التالية.
وفي المقابل، يجب تجنب الإفراط في استخدام اليوريا أو الأسمدة الآزوتية دون حاجة، وكذلك عدم زيادة كميات مياه الري، أو اللجوء إلى الزراعة السطحية، مع ضرورة السيطرة على الحشائش منذ بداية الموسم.
ومع استمرار الحرارة والرطوبة، ينبغي أن يكون الري محسوبًا بما يحافظ على رطوبة مناسبة دون إغراق، مع إعطاء الأولوية لبناء الجذور قبل الإسراع في زيادة النمو الخضري.
البنجر.. الجذر هو أساس الإنتاج
ويعد البنجر من المحاصيل التي يتوقف نجاحها بدرجة كبيرة على سلامة الجذر وتكوينه بصورة جيدة، لذلك يجب توفير أرض جيدة الصرف والتهوية، مع الاهتمام بالتسوية وتجهيز التربة.
كما يجب تجنب تعريض النباتات للتعطيش ثم إغراقها بالمياه، والابتعاد عن المبالغة في استخدام الأسمدة الآزوتية، مع متابعة الإنبات بصورة مستمرة ورصد أي إصابات بالديدان أو الحشرات القارضة في مراحلها المبكرة.
والقاعدة الأساسية في هذه المرحلة هي عدم دفع النمو الخضري بصورة مبالغ فيها على حساب تكوين الجذر.
الفاصوليا الشتوية.. التوازن ضرورة
وتحتاج الفاصوليا الشتوية إلى إدارة دقيقة خلال مرحلة التأسيس، خاصة في ظل استمرار درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة.
ويُفضل الاعتماد على تقاوي قوية وسليمة، مع إجراء معاملة التقاوي باللقاح البكتيري المناسب وفق البرنامج الفني، وتوفير صرف جيد، وتنظيم الري دون إغراق، إلى جانب تجنب الإفراط في الأسمدة الآزوتية، وتوفير الفوسفور والعناصر الصغرى وفق احتياجات المحصول ونتائج تحليل التربة.
كما تتطلب هذه المرحلة متابعة مستمرة لاحتمالات ظهور أعفان الجذور والبادرات والأنثراكنوز، فضلًا عن مراقبة الذبابة البيضاء والتربس والعناكب وفق الظروف السائدة في المنطقة.
الثوم المبكر.. الصرف الجيد خط الدفاع الأول
ويحتاج الثوم المبكر، خاصة في الزراعات القبلية، إلى اختيار الصنف والموعد المناسبين للمنطقة، مع الاعتماد على فصوص سليمة ومتجانسة ومصدر تقاوي موثوق.
كما يُفضل إجراء التفصيص قريبًا من موعد الزراعة، مع تجهيز الأرض جيدًا وتوفير صرف فعال، والالتزام بعمق الزراعة المناسب وتجنب زيادة مياه الري.
وتزداد أهمية الصرف في هذه الظروف، لأن ارتفاع حرارة التربة مع زيادة الرطوبة قد يرفع فرص الإصابة بمشكلات الجذور والأعفان ويؤثر في سرعة الإنبات وانتظامه.
البصل الأخضر.. رطوبة منتظمة دون إغراق
ويحتاج البصل الأخضر إلى انتظام الرطوبة خلال بداية نموه، دون تحويل الأرض إلى بيئة مشبعة بالمياه، مع ضرورة توفير صرف جيد ومتابعة الإصابة بالتربس منذ المراحل الأولى.
كما يجب فحص البادرات والجذور بصورة دورية، خصوصًا مع ارتفاع معدلات الرطوبة، لأن الهدف هو الحفاظ على رطوبة مناسبة تساعد النبات على النمو دون التسبب في اختناق الجذور أو تهيئة الظروف الملائمة للأمراض.
الخرشوف.. أي خطأ في البداية قد يستمر طويلًا
ويتميز الخرشوف بطول دورة إنتاجه، ولذلك فإن الأخطاء التي تحدث خلال مرحلة التأسيس قد تترك آثارًا تمتد لعدة أشهر.
ولهذا يجب البدء بمادة زراعية سليمة، وتجهيز أرض جيدة الصرف، والعمل على تهيئة منطقة الجذور بصورة مناسبة، مع عدم الإفراط في الري خلال مرحلة الاستقرار الأولى، وإعطاء الأولوية لبناء مجموع جذري قوي قبل دفع النبات نحو نمو خضري متسارع.
كما يجب متابعة أعفان الجذور والحشرات القارضة والمن والتربس والعناكب، وفقًا للظروف الزراعية والمناخية في كل منطقة.
الفراولة.. حماية الجذور تبدأ من اختيار الشتلة
وتعد الفراولة من المحاصيل التي تحتاج إلى دقة كبيرة عند بدء زراعتها في هذه الظروف الجوية، حيث يمثل اختيار الشتلات السليمة والجيدة عاملًا أساسيًا في نجاح المحصول.
ويجب تجنب استخدام الشتلات الضعيفة أو التي تعاني إجهادًا في الجذور، إلى جانب الابتعاد عن الأراضي سيئة الصرف أو الإفراط في الري.
وتساعد درجات الحرارة المرتفعة مع زيادة الرطوبة على تهيئة ظروف مناسبة لبعض مشكلات الجذور والتيجان، ومن بينها أعفان مرتبطة بالفطريات مثل فيتوفثورا وريزوكتونيا، إلى جانب الأنثراكنوز، فضلًا عن زيادة احتمالات نشاط بعض الآفات مثل العناكب والتربس والذبابة البيضاء.
ولهذا فإن نجاح الفراولة يبدأ من الجذر السليم قبل الاهتمام بالنمو الورقي.
قاعدة واحدة تجمع كل الزراعات الجديدة
وأكد فهيم أن اختلاف المحاصيل يعني بالضرورة اختلاف البرامج الفنية، فلا يمكن تطبيق برنامج البطاطس على البنجر، أو معاملة الفاصوليا مثل الثوم، كما تختلف احتياجات الفراولة عن باقي المحاصيل.
لكن القاعدة التي تجمع هذه الزراعات جميعًا تتمثل في ضرورة إعطاء الأولوية لتكوين مجموع جذري قوي خلال بداية الموسم، بدلًا من التركيز المبالغ فيه على سرعة النمو الخضري.
رسالة مهمة للمزارعين قبل نهاية أغسطس
وتتلخص الرسالة الأساسية للمزارعين في عدم اعتبار نهاية أغسطس موعدًا تلقائيًا لبدء جميع الزراعات الجديدة، لأن الظروف المناخية ما زالت تحمل درجات حرارة مرتفعة ورطوبة عالية، وقد تشهد فترات من الصهد رغم اقتراب انتهاء الشهر.
لذلك يجب أن يستند قرار الزراعة إلى مجموعة من العوامل، تشمل الصنف، والمنطقة، ودرجة حرارة التربة، وحالة الأرض، وجودة التقاوي أو الشتلات، وتوقعات الطقس.
أما من يضطر إلى الزراعة مبكرًا، فعليه التعامل مع مرحلة التأسيس باعتبارها المرحلة الأهم في تحديد مستقبل المحصول، من خلال تجهيز الأرض جيدًا، وضبط الري، وتحسين الصرف، وتجنب الإفراط في الأسمدة، ومراقبة الأمراض والآفات منذ ظهورها الأول.
فالمحصول الذي يبدأ حياته بجذور قوية يكون أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الطقس واستكمال الموسم بصورة أفضل، بينما قد يظل ضعف البداية حاضرًا حتى مع تحسن الظروف لاحقًا.


.jpg)























