من أزمة الزيوت إلى ذهب الصحراء.. هل ينقذ الزيتون مستقبل زيت الطعام في مصر؟
تواجه مصر تحديًا استراتيجيًا متصاعدًا يتمثل في فجوة الزيوت النباتية، التي اتسعت بصورة مقلقة بين حجم الإنتاج المحلي واحتياجات الاستهلاك، ما يضع ملف الزيوت الغذائية في صدارة قضايا الأمن الغذائي الوطني. هذه الفجوة مرشحة لمزيد من التفاقم مع الزيادة السكانية المستمرة وارتفاع متوسط استهلاك الفرد، في ظل تراجع المساحات المنزرعة بالمحاصيل الزيتية وضعف الدعم الموجه لها مقارنة بالمحاصيل الاستراتيجية الأخرى.
وأكدت الدكتورة أميرة عبدالهادي، الباحث بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية، بمركز البحوث الزراعية، أن المحاصيل الزيتية لم تحظَ بالاهتمام الكافي على مدار السنوات الماضية، سواء من حيث الدعم الزراعي أو التسويق، وهو ما أدى إلى تراجع إنتاج الزيوت النباتية محليًا إلى ما بين 60 و80 ألف طن سنويًا فقط، مقابل استهلاك يتجاوز 2.2 مليون طن، لتصل نسبة الفجوة إلى نحو 98%.
فجوة الزيوت النباتية وأزمة الإنتاج المحلي
وأوضحت أن مصر تعتمد على عدد محدود من محاصيل البذور الزيتية التصنيعية، في مقدمتها دوار الشمس، وفول الصويا، وبذرة القطن، والزيتون، والقرطم، والكتان، إلى جانب المحاصيل التجارية مثل السمسم والفول السوداني، إلا أن تراجع المساحات المنزرعة وتذبذب السياسات التسويقية أديا إلى ضعف مساهمة هذه المحاصيل في سد احتياجات السوق.
وترجع أزمة المحاصيل الزيتية، بحسب الخبراء، إلى كونها محاصيل تصنيعية مرتبطة بالشركات والمصانع، ما يجعل تسويقها مرهونًا بتقلبات الأسعار العالمية، فضلًا عن ضعف قدرتها التنافسية أمام محاصيل تحظى بدعم مباشر من الدولة. كما ساهم غياب آلية واضحة لتحديد أسعار ضمان للمزارعين، وارتفاع تكاليف الإنتاج، في عزوف عدد كبير من المنتجين عن زراعتها.
وتفاقمت الأزمة مع الاعتماد شبه الكامل على بذرة القطن كمصدر رئيسي لزيوت الطعام، في الوقت الذي تتراجع فيه مساحات القطن سنويًا، مقابل تجاهل محاصيل زيتية عالمية مثل دوار الشمس والكانولا، التي تمثل ركيزة أساسية لصناعة الزيوت في العديد من الدول.
الزيتون… فرصة ذهبية لإنقاذ القطاع
وسط هذا المشهد، يبرز الزيتون كأحد الحلول الاستراتيجية القادرة على إحداث نقلة نوعية في ملف الزيوت النباتية. فشجرة الزيتون ليست مجرد محصول زراعي، بل منظومة إنتاج متكاملة توفر زيتًا عالي القيمة الغذائية، وثمرة اقتصادية، ومخلفات قابلة للتدوير في مجالات الطاقة والأعلاف والصناعات الدوائية.
ويتميز زيت الزيتون بقيمته الصحية العالية، لاحتوائه على الأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة ومضادات الأكسدة، ما جعله عنصرًا أساسيًا في الأنماط الغذائية الصحية عالميًا. ومع تصاعد الطلب العالمي عليه، يمكن أن يتحول الاستثمار في الزيتون إلى مشروع وطني ذي عائد اقتصادي مرتفع.
وبفضل قدرتها على التكيف مع البيئات الصحراوية، تستطيع شجرة الزيتون تحويل مساحات واسعة من الأراضي الجديدة إلى مناطق إنتاجية، بما يفتح المجال لآلاف فرص العمل في الزراعة والتصنيع والتعبئة والتصدير، ويضخ مليارات الجنيهات في الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والطويل.
خريطة طريق لنهضة زيت الزيتون المصري
لتحقيق هذه الرؤية، تبرز مجموعة من الإجراءات العملية، في مقدمتها التوسع في زراعة أصناف الزيتون الزيتية بالأراضي الجديدة، خاصة في سيناء، والصحراء الغربية، والوادي الجديد، مع تحميل محاصيل زيتية أخرى لزيادة العائد الاقتصادي.
كما تشمل الخطة تطوير منظومة العصر والتخزين باستخدام تقنيات حديثة تضمن جودة الزيت وفق المواصفات العالمية، والتوسع في التصنيع المحلي بدلًا من تصدير الزيتون خامًا واستيراد الزيت المعبأ بأسعار مضاعفة. ويضاف إلى ذلك إطلاق علامة تجارية وطنية لزيت الزيتون المصري قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، واستغلال مخلفات العصر في إنتاج الطاقة الحيوية والأعلاف.
الجغرافيا تصنع هوية الزيت المصري
تلعب العوامل الجغرافية دورًا حاسمًا في تحديد جودة زيت الزيتون، حيث تؤدي المناطق الحارة والجافة إلى ارتفاع نسبة الزيت وزيادة ثباته، بينما تمنح المناطق المعتدلة نكهات فاكهية مميزة. كما تضيف التربة الكلسية مرارة محببة، وتنتج المناطق الجبلية زيوتًا غنية بمركبات البوليفينولات، في حين تمنح الصحارى الرملية نكهات مركزة تتطلب إدارة دقيقة للري والتسميد.
ويمثل التنوع المناخي والتضاريسي في مصر ميزة تنافسية نادرة، حيث تجمع بين السواحل والواحات والجبال، ما يتيح إنتاج زيوت بزُخْم حسي وكيميائي متنوع.
وتُعد مناطق مثل شمال سيناء، ورأس سدر، والفيوم، وسيوة، ومطروح، ووادي النطرون من أبرز المناطق الملائمة لإنتاج زيت الزيتون البكر الممتاز، في حين تتفوق مناطق الواحات وغرب المنيا وطريق مصر – الإسكندرية الصحراوي في إنتاج زيتون المائدة التجاري.


.jpg)























