الأرض
الأحد 27 سبتمبر 2026 مـ 01:55 مـ 14 ربيع آخر 1448 هـ
موقع الأرض
رئيس مجلس الإدارةخالد سيفرئيس التحريرمحمود البرغوثيالمدير العاممحمد صبحي

التقنية الحيوية الصناعية: القوة المحركة نحو تحقيق الحياد الكربوني المستدام

يقف العالم اليوم أمام تحدٍ بيئي واقتصادي غير مسبوق، يتمثل في ظاهرة التغيرات المناخية والارتفاع المتزايد في الانبعاثات الكربونية الناتجة عن النشاط الصناعي التقليدي. وفي ظل هذا المشهد المعقد، لم تعد الحلول التقليدية لتقليل الانبعاثات كافية بمفردها، بل أصبحت الحاجة ملحة للتحول نحو "البيولوجيا الصناعية" كبديل آمن ومستدام يقود المجتمعات نحو تحقيق مسار "الحياد الكربوني" (Net-Zero Emissions)

تعتمد التقنية الحيوية الصناعية (Industrial Biotechnology) أو ما يُعرف بالتقنية الحيوية البيضاء على استخدام النظم البيولوجية كالأنزيمات، والكائنات الدقيقة المعدلة هندسياً (مثل البكتيريا والخمائر والطحالب)، للقيام بالعمليات التصنيعية. إن الفلسفة الأساسية لهذه التقنية تقوم على إحلال "التحويل البيولوجي" محل "التحويل الكيميائي" المتطلب للطاقة العالية والمستهلك للوقود الأحفوري.

تتجلى مساهمة التقنية الحيوية الصناعية في احتجاز الكربون وتقليله من خلال عدة محاور رئيسية:

  • تثبيت الكربون وتحويل الغازات: استخدام الطحالب والبكتيريا الميكروبية المستهدفة لالتقاط ثاني أكسيد الكربون من العوادم الصناعية مباشرة، وتحويله بيولوجياً إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية كالعلف الحيواني، والأسمدة الحيوية، والوقود الحيوي.
  • البلاستيك والمواد البيولوجية (Bioplastics): استبدال المنتجات البتروكيميائية بالمركبات القابلة للتحلل الحيوي والمصنعة من بقايا المحاصيل والمخلفات الزراعية، مما يغلق دائرة الكربون ويمنع تراكم النفايات الضارة.
  • الوقود الحيوي من الجيل الثاني والثالث: إنتاج الإيثانول الحيوي والديزل الحيوي اعتماداً على المخلفات السليولوزية والطحالب، دون المساس بالمحاصيل الغذائية، وهو ما يقلل بصمة الانبعاثات بنسب تصل إلى أكثر من 80% مقارنة بالوقود الأحفوري.
  • الأنزيمات كعوامل حفازة خضراء: تسريع التفاعلات الصناعية في قطاعات الغزل والنسيج، والورق، والصناعات الغذائية عند درجات حرارة منخفضة، مما يقلل بشكل حاد من استهلاك الطاقة والمياه.

وفي هذا السياق، تتقاطع التقنية الحيوية الصناعية بشكل مباشر مع قطاع الزراعة ودراسات الخلية النباتية. فالمخلفات الحقلية التي كانت تُشكل عبئاً بيئياً عند حرقها وتسبب انبعاثات كربونية ضخمة، تحولت اليوم بفعل تقنيات الهندسة الوراثية وتخمر الأنزيمات إلى "ثروة بيولوجية" تدخل في مصانع التكرير الحيوي (Biorefineries).

إن الرؤية المستقبلية داخل قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية ترتكز على دعم هذه التحولات الخضراء من خلال:

  1. استغلال المخلفات النباتية: تطوير سلالات ميكروبية وأنزيمية كفؤة لتحليل المادة السليولوزية في قش الأرز وتبن القمح، وتحويلها إلى سماد عضوي عالي الجودة أو مواد أولية للصناعة.
  2. عزل وتطوير الطحالب الدقيقة: الانتخاب الخلوي لسلالات طحلبية ذات كفاءة عالية في تثبيت الكربون وإنتاج الزيوت، لتكون أساساً لصناعة المخصبات الحيوية التي تقلل الاعتماد على الأسمدة النيتروجينية ذات البصمة الكربونية العالية.
  3. تعزيز الاقتصاد الدائري قائم على البيولوجيا: تحويل القطاع الزراعي من مصدر جانبي للانبعاثات إلى ممر رئيسي لامتصاص الكربون وتخزينه في التربة والمنتجات البيولوجية.

إن الوصول إلى الحياد الكربوني ليس مجرد التزام بيئي، بل هو ضرورة اقتصادية لحماية أمننا الغذائي والمائي. والتكامل بين الأبحاث الخلوية في المعامل والفرص التطبيقية في المصانع يمثل الحجر الزواية لبناء اقتصاد حيوي خالي من الكربون، يضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة.

*رئيس قسم بحوث دراسة الخلية - معهد بحوث المحاصيل الحقلية - مركز البحوث الزراعية

موضوعات متعلقة