الأرض
السبت 7 مارس 2026 مـ 08:48 مـ 18 رمضان 1447 هـ
موقع الأرض
رئيس مجلس الإدارةخالد سيفرئيس التحريرمحمود البرغوثيالمدير العاممحمد صبحي

هدر الطعام… أزمة صامتة وبيوت جائعة

مهندس ياسين حمدي
مهندس ياسين حمدي

في مشهد بسيط يتكرر داخل بيوت كثيرة وخصوصاً في شهر رمضان والمناسبات التقليدية، جلس الأب مع أولاده حول مائدة الغداء، يراقب بصمت الأطباق التي لم تُمسّ والأخرى التي تم تذوق ملعقة منها وتركت كما هي..تنهد قائلاً: "يا أبنائي… هل تعلمون أن ما نتركه على المائدة قد يكفي لإطعام أسرة كاملة؟!!

لم تكن الكلمات مجرد عتاب، بل كانت مدخلًا لحقيقة صادمة: ما يُهدر من الطعام في المنازل المصرية وحدها يكفي لإطعام ملايين المحتاجين.

إقرأ أيضاً.. م. ياسين حمدي يكتب: تاريخ استخدام أوراق الزيتون طبيا في مصر

أرقام صادمة تكشف حجم مشكلة هدر الطعام

تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) إلى أن متوسط الهدر الغذائي للفرد في مصر يبلغ 91 كيلوجرامًا سنويًا، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالعديد من الدول.. وتوضح الدراسات أن نسب الهدر تشمل:

  • 50% من الخضروات والفواكه
  • 40% من الأسماك
  • 30% من الحليب والقمح

هذه الأرقام تعكس خللًا واضحًا في أنماط الاستهلاك، وتؤكد أن جزءًا كبيرًا من الغذاء الصالح للأكل لا يصل إلى من يحتاجه.

المناسبات… حين يتضاعف الهدر

وفقًا لتقديرات المركز الوطني للبحوث الاجتماعية والجنائية، ترتفع نسب الهدر الغذائي في المناسبات والأعياد والمهرجانات، حيث يتم التخلص من 60% على الأقل من الأطعمة الصالحة للأكل.

ويرتبط هذا السلوك بثقافة اجتماعية ترى في كثرة الطعام مظهرًا للكرم، رغم أن جزءًا كبيرًا منه ينتهي في صناديق القمامة.

الهدر عالميًا… أزمة تتجاوز الحدود

على المستوى العالمي، تكشف بيانات الفاو أن عام 2019 شهد إلقاء 931 مليون طن من الغذاء، أي ما يعادل 17% من الطعام المتاح للمستهلكين.

وتوزعت نسب الهدر كالتالي:

  • 10% من قبل الأسر
  • 5% من مقدمي الخدمات الغذائية
  • 2% من منافذ البيع بالتجزئة

كما تفقد 14% من الأغذية عالميًا بعد الحصاد مباشرة، ما يبرز حجم الفاقد في مراحل الإنتاج قبل وصول الغذاء إلى المستهلك.

الأزمات العالمية تزيد التحديات

أن فقد وهدر الغذاء يمثلان أحد أكبر التحديات أمام تحقيق الأمن الغذائي، خاصة في ظل الأزمات المتتالية مثل الحروب المتتالية في منطقه الشرق الأوسط وتأثر التجارة الدولية والتي تؤثر على سلاسل الإمداد الغذائي عالميًا ومحليًا.

- أن الفاقد والهدر من الخضروات والفاكهة في مصر يتراوح بين 45% و55% من الإنتاج السنوي، وهو رقم يستدعي تحركًا عاجلًا على جميع المستويات.

مشروعات ومبادرات للحد من الهدر

نفذت منظمة الفاو مشروعًا لتقليل الفاقد والهدر في الغذاء وتطوير سلسلة القيمة الغذائية في مصر، بتمويل من الوكالة الإيطالية للتنمية والتعاون، وبالتعاون مع وزارة الزراعة.. وتركزت جهود المشروع على:

  • تحسين مراحل ما بعد الحصاد
  • تطوير عمليات التجهيز والتسويق
  • تعزيز اعتماد سلاسل القيمة الغذائية

كما أطلقت الفاو بالتعاون مع بنك الطعام المصري حملة توعوية خلال شهر رمضان للعام الثاني على التوالي، بهدف نشر ثقافة الاستخدام الأمثل للطعام، وتقديم نصائح للاستفادة من بقايا الطعام وتقليل الهدر.

البعد البيئي… حين يتحول الهدر إلى خطر مناخي

أن هدر الطعام يسهم في تفاقم أزمة المناخ، إذ يؤدي الاشتعال الذاتي لنفايات الطعام إلى إنتاج غاز الميثان، أحد الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري.

ارقام صادمة حيث تم جمع فائض الطعام من شركات ومطاعم وفنادق:

• 87 طنًا من المطاعم والشركات تكفي لإطعام 220,000شخصًا

• 3 طن من الفنادق تكفي لإطعام 6,500 شخصًا

هذه الأرقام تؤكد أن إعادة توجيه الطعام الفائض يمكن أن يحقق أثرًا اجتماعيًا وبيئيًا كبيرًا.

كيف نغيّر ثقافة الهدر؟

تغيير السلوك الاستهلاكي يبدأ من الأسرة، ومن خطوات بسيطة يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا:

  1. إعداد كميات طعام تتناسب مع عدد الأفراد
  2. حفظ الطعام المتبقي بطريقة صحيحة
  3. التخطيط للوجبات قبل الشراء
  4. مشاركة الفائض مع المحتاجين
  5. تعليم الأطفال قيمة النعمة وأثر الهدر

الخلاصة

عاد الأب ينظر إلى أطفاله قائلاً:

"التغيير يبدأ من طبقك… ومن احترامك للنعمة. ما نهدره اليوم قد يحتاجه غيرنا غدًا."

هزّ الأطفال رؤوسهم موافقين، وقد أدركوا أن مسؤولية الحفاظ على الطعام ليست مجرد سلوك منزلي، بل واجب إنساني ووطني.

** مهندس ياسين حمدي خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون وعضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الاسكندرية