الأقلمة في زراعة الأنسجة بين النجاح والفشل
قال الدكتور قاسم زكي أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، إن الأقلمة في زراعة الأنسجة تمثل الحلقة الأخطر في سلسلة النجاح، رغم أنها الأقصر زمنًا، مؤكدًا أن كثيرًا من الإخفاقات لا تحدث داخل المعمل، بل في المسافة الفاصلة بين الأنبوب والحقل.
الأقلمة في زراعة الأنسجة… الحلقة الحاسمة بين المعمل والحقل
الأقلمة في زراعة الأنسجة ليست مجرد خطوة انتقالية، بل مرحلة فارقة تحدد المصير النهائي للنبات. ففي الوقت الذي تنمو فيه الشتلات داخل بيئة معقمة مستقرة عالية الرطوبة، تجد نفسها فجأة أمام عالم مفتوح مليء بالتقلبات البيئية والضغوط الحيوية واللاإحيائية. هنا لا يكفي الشكل الجيد أو النمو المتجانس، بل تُختبر الكفاءة الفسيولوجية الحقيقية للنبات.
المفارقة أن كثيرًا من النباتات تبدو مثالية لحظة خروجها من الأنبوب، خضراء وقوية ومتجانسة، لكنها تتراجع بعد أسابيع قليلة من نقلها إلى الصوبة أو الحقل، فتذبل أو يتباطأ نموها أو تموت بصمت، مسببة خسائر اقتصادية مباشرة.
نبات مثالي شكليًا… هش فسيولوجيًا
النبات الناتج من زراعة الأنسجة غالبًا ما يمتلك جهازًا جذريًا غير مكتمل الكفاءة، وأوراقًا ضعيفة الكيوتكل، وثغورًا لم تتدرّب على التنظيم الذاتي لفقد الماء. داخل الأنبوب، لا يحتاج النبات إلى مقاومة الرياح أو ضبط التبخر أو التفاعل مع ميكروبات التربة. وعند نقله فجأة، يُطلب منه أداء وظائف لم يُمَهَّد لها تدريجيًا.
وهنا يكمن الخلل الصامت: مظهر صحي يخفي هشاشة وظيفية.
الرطوبة في الأقلمة… من حماية إلى صدمة
الرطوبة المرتفعة في المعمل توفر بيئة آمنة للنبات، لكنها إذا استمرت دون تدرج عند النقل، تتحول إلى عامل خطر. فالانتقال المفاجئ من رطوبة شبه مشبعة إلى جو طبيعي يؤدي إلى صدمة مائية، ويعطل قدرة الثغور على التحكم في الفقد، ويضعف طبقة الحماية السطحية للأوراق.
كثير من حالات الفشل لا ترتبط بالجفاف المباشر، بل بغياب برنامج تدريجي لخفض الرطوبة يسمح للنبات بتطوير آلياته الدفاعية.
الضوء والجذور… اختبار الواقع البيئي
تنمو النباتات المعملية تحت شدة إضاءة منخفضة وطيف ضوئي محدود. وعند تعريضها لضوء قوي أو مباشر دون تدرج، تتضرر البلاستيدات الخضراء ويحدث إجهاد تأكسدي يبطئ التمثيل الضوئي بدل أن يعززه.
الأمر ذاته ينطبق على الجذور؛ فليست كل الجذور المتكوّنة داخل المعمل صالحة للأرض. قد تبدو سميكة ومتطورة، لكنها تفتقر إلى الشعيرات الجذرية الفعالة أو القدرة على التفاعل مع ميكروبيوم التربة. كما أن اختيار وسط زراعي غير جيد التهوية أو الصرف يؤدي إلى اختناق الجذور وتشجيع الأمراض الفطرية، ما يعجّل بالفشل.
فجوة المعمل والحقل… خلل في التخطيط
المشكلة في كثير من برامج الإنتاج لا تكمن في التقنية المعملية، بل في فلسفة التنفيذ. التركيز ينصب على عدد النباتات المنتَجة داخل الأنابيب، لا على عدد النباتات التي تنجح فعليًا في الحقل.
تكرار بروتوكول واحد لكل الأنواع، التعجيل بالنقل لتحقيق أرقام إنتاجية، ضعف المتابعة بعد الزراعة، جميعها أخطاء تتراكم بصمت حتى تتحول إلى نزيف اقتصادي.
الأقلمة في زراعة الأنسجة يجب أن تُعامل كبرنامج تدريب فسيولوجي متكامل، يشمل تدريب الجذور على الامتصاص، وتدريب الأوراق على تنظيم الفقد، وتأهيل النبات للتفاعل مع البيئة الطبيعية تدريجيًا.
لماذا تهم الأقلمة المزارع والمستثمر؟
اقتصاديًا، نبات أقل مثالية داخل المعمل لكنه متأقلم جيدًا، يساوي أكثر من عشرات النباتات المتجانسة شكليًا لكنها غير قادرة على الصمود ميدانيًا. الاستثمار الحقيقي لا يُقاس بعدد الأنابيب، بل بنسبة النجاح بعد النقل.
الأقلمة في زراعة الأنسجة ليست مرحلة عابرة، بل نقطة الحسم التي تحدد قيمة التكنولوجيا الزراعية وجدوى الإنفاق البحثي.


.jpg)

















