الأرض
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 مـ 03:33 مـ 23 ربيع آخر 1448 هـ
موقع الأرض
رئيس مجلس الإدارةخالد سيفرئيس التحريرمحمود البرغوثيالمدير العاممحمد صبحي
عقب موسم استثنائي لعسل النحل بالأردن.. كيف يؤثر قرار حماية المنتج المحلي على النحالين والمصدرين المصريين؟ رائد فسيولوجيا النبات الجزيئية.. الألماني يورغ ناغل يتوج بجائزة نوبل في الطب 2026 الزيتون الذي عاد مع انتصار أكتوبر.. حكاية سيناء من الحرب إلى الحياة رئيس مركز المناخ يكشف موعد زراعة القمح الأفضل ويحذر من «الصدأ الأصفر» اليوم العالمي للقطن.. رحلة «الذهب الأبيض» من شريان حياة للمزارعين إلى صناعة عالمية أسعار الذهب اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 في مصر تغييرات جديدة بالزراعة.. محمد سعد رئيسًا للخدمات البيطرية وحامد الأقنص مستشارًا للوزير أسعار خامات الأعلاف اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026.. الذرة وكسب الصويا أسعار الفراخ البيضاء اليوم في مصر الثلاثاء 6 - 10 - 2026 رئيس «إنتاج التقاوي»: أصناف القمح المعتمدة تحمي المزارع من التقاوي المغشوشة.. ونلاحق المخالفين بالقانون والشرطة لزيادة إنتاجية التحجيم وجودة الثمار.. دماك تطرح سماد فيرتو سول عالي البوتاسيوم بالأسواق كابوس يهدد حقول الطماطم.. دليل المزارع الذكي للقضاء على ”التوتا أبسليوتا” نهائياً

الزيتون الذي عاد مع انتصار أكتوبر.. حكاية سيناء من الحرب إلى الحياة

في إحدى أمسيات عام 2026، جلس أحد أبطال حرب أكتوبر بين أحفاده يتأمل شجرة زيتون صغيرة في حديقة منزله. سأله حفيده: "جدي، لماذا تحب شجرة الزيتون؟ فابتسم الرجل الذي حمل السلاح يومًا دفاعًا عن الوطن، وقال: "لأنها تشبه سيناء... وتشبه الجنود الذين عبروا القناة. كلما اشتدت عليها الظروف، ازدادت تمسكًا بالأرض
وهي تشبه سيناء... صامدة، ومتجذرة في الأرض، وتعود للحياة مهما اشتدت الظروف.
كانت إجابة بسيطة، لكنها حملت في طياتها قصة وطنٍ استعاد أرضه، وشجرةٍ عادت لتزهر فوق أرضٍ رُويت بالتضحيات. فمنذ انتصار أكتوبر وعودة سيناء إلى أحضان مصر، عاد الزيتون ليصبح شاهدًا على أن النصر الحقيقي لا يكتمل إلا بعودة الحياة إلى الأرض.
ومن هنا تبدأ حكاية الزيتون وسيناء.

الزيتون وطور سيناء.. علاقة تضرب بجذورها في التاريخ
في السادس من أكتوبر عام 1973 لم يسترد المصريون أرضهم فحسب، بل استعادوا روح سيناء، تلك البقعة التي تحمل مكانة استثنائية في التاريخ والدين والوجدان الوطني. ومع عودة الأرض إلى أحضان الوطن، عاد معها رمز ارتبط بقدسية المكان منذ آلاف السنين: شجرة الزيتون، الشجرة المباركة التي ارتبط ذكرها بطور سيناء في القرآن الكريم.
ففي سورة التين يقسم الله تعالى بقوله:
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ۝ وَطُورِ سِينِينَ﴾
هذا الاقتران بين الزيتون وطور سيناء يعكس عمق العلاقة بين هذه الشجرة المباركة والأرض التي شهدت رسالات السماء وتعاقب الحضارات. فالزيتون ليس مجرد محصول زراعي، بل جزء أصيل من هوية المكان وذاكرته التاريخية.
ويزداد هذا المعنى رسوخًا في وصف القرآن للزيتونة المباركة في سورة النور، لتصبح رمزًا للنقاء والخير والثبات، وهي القيم ذاتها التي تجلت في معركة استعادة الأرض.

من التحرير إلى التعمير
لم يتوقف الإنجاز عند عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، فبعد استعادة سيناء بدأت مرحلة جديدة عنوانها البناء والتنمية. وأطلقت الدولة المصرية خططًا واسعة لإحياء النشاط الزراعي في شبه الجزيرة، وكان الزيتون في طليعة المحاصيل التي عادت إلى أرضها الطبيعية.
فعادت المصاطب الزراعية إلى المناطق الجبلية المحيطة بمدينة طور سيناء، وانتشرت شتلات الزيتون في الوديان والسهول، لتتحول ساحات الصراع القديمة إلى مساحات منتجة تنبض بالحياة.
وكان المشهد يحمل دلالة عميقة؛ فالنصر الحقيقي لا يكتمل باستعادة الأرض فقط، بل باستعادة قدرتها على العطاء والإثمار.

شجرة تشبه الجندي المصري
ربما لا توجد شجرة تجسد معاني الصمود مثل الزيتون. فهي قادرة على العيش مئات السنين، وتتحمل الجفاف والرياح والظروف القاسية، وتظل متشبثة بجذورها مهما اشتدت العواصف.
ولهذا بدت وكأنها صورة رمزية للجندي المصري في حرب أكتوبر:
* صمود لا تلين أمامه التحديات.
* قدرة دائمة على النهوض بعد الشدائد.
* جذور راسخة لا يمكن اقتلاعها من الأرض.
ومن هنا أصبحت زراعة الزيتون بعد التحرير رسالة وطنية تحمل معنى أعمق من الزراعة نفسها، مفادها أن الأرض التي صمدت في وجه الاحتلال قادرة على أن تزهر من جديد.

سيناء.. من أرض معركة إلى أرض بركة
على مدار العقود التالية للتحرير، تحولت سيناء إلى إحدى أهم مناطق إنتاج الزيتون في مصر. وامتدت المشروعات الزراعية من السهول والوديان إلى القرى والتجمعات العمرانية الجديدة، لتصبح التنمية الزراعية أحد أبرز وجوه تعمير شبه الجزيرة.
ومع كل موسم حصاد، تتجدد الحكاية التي رواها الجد لأحفاده؛ حكاية أرض عادت لأصحابها، وشجرة بقيت شاهدة على رحلة النصر والبناء.
فالزيتون في سيناء ليس مجرد ثمار تُحصد، بل قصة وطن انتصر، وأرض استعادت عافيتها، وإنسان آمن بأن المستقبل يبدأ بزرع شجرة في الأرض التي تحررت.

في النهاية
بعد أن انتهى الجد من حديثه، نظر الأحفاد إلى شجرة الزيتون الصغيرة بعين مختلفة. لم تعد مجرد شجرة في حديقة المنزل، بل أصبحت رمزًا لقصة أكبر؛ قصة جنود قاتلوا من أجل الأرض، ومزارعين أعادوا إليها الحياة، ووطن أثبت أن الإرادة قادرة على صنع المعجزات.
هكذا لم يكن انتصار أكتوبر مجرد عبور عسكري، بل عبورًا إلى المستقبل. وكما عبر الجنود القناة بإيمان وعزيمة، عاد الزيتون إلى أرض سيناء ليؤكد أن النصر الحقيقي هو أن تتحرر الأرض ثم تُثمر.
وسيظل الزيتون، كما ظل عبر التاريخ، رمزًا للبركة والصمود والسلام، وشاهدًا حيًا على أن الأرض التي تُروى بالتضحية لا تتوقف يومًا عن العطاء.

*خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الاسكندرية