حينما تلتقي فسيولوجيا النبات بكيمياء التغذية لتجاوز العقد البيئية
كيف تروض النبات تحت إجهاد البرودة والصقيع؟
مزارع يسأل: إذا نجحنا في كسر حالة غلق ثغور البنات عند الحرارة المرتفعة، فكيف نخرجه من سكونه في البرودة الشديدة أيضا:
جواب "الأرض":
أثبتت نتائج بحوث ميدانية في أماكن مختلفة من العالم، وفي بيئات ومناخات مختلفة، أنه يمكن ترويض الحالة العامة للنبات، في ظل الظروف المعاكسة، مثل: الحرارة فوق 38 درجة، أو البرودة تحت 15 درجة، وذلك بفنون التغذية المبنية على أساسيات علمي الكيمياء والفيسيولوجيا العميقة.
وقال علماء ضمن أبحاث منشورة في دوريتات علمية موثوقة، إنهم مثلما نجحوا في ترويض الإجهاد الحراري المرتفع برش سليكات البوتاسيوم، والكاولينا، واستخدام بعض الأحماض الأمينية الحرة، مثل: البرولين، والجلايسين بيتايين، "يمكننا بالمثل فك طلاسم الإجهاد البارد عندما تهبط الحرارة دون العشرين درجة مئوية.
نطاق التباطؤ الفسيولوجي من 10 ـ 15 درجة مئوية
وذكر العلماء أنه عندما تنخفض الحرارة دون 20 درجة مئوية، وصولاً إلى نطاق التباطؤ الفسيولوجي بين 10 و15 درجة مئوية، يواجه النبات مشكلتين رئيسيتين، هما: خمول الأنزيمات، و لزوجة الأغشية الخلوية وفقدان مرونتها.
وفي المشكلة الأولى تتباطأ سرعة التفاعلات البيوكيميائية و"دورة كالفن" المعروفة علميا باسم "البناء الضوئي"، بسبب انخفاض طاقة الحركة الحرة للجزيئات.
وفي مشكلة لزوجة الأغشية الخلوية وفقدان مرونتها، تصبح الأغشية البلازمية شبه صلبة Gel phase، مما يعطل نقل الإشارات، ويغلق الثغور قسراً، ويضعف كفاءة الجذور في امتصاص الماء والعناصر.
كيف نجبر النبات على كسر السكون والاستمرار في البناء الضوئي
وتوصل العلماء إلى أن السر في عملية كسر السكون وضمان استمرار النبات في عملية البناء الضوئي بكفاءة، يكمن في هندسة التدخل الفسيولوجي والتغذية، من خلال عدة محاور نستعرضها هنا:
1 ـ تحفيز سيولة الأغشية الخلوية وحمايتها، لجعل الخلايا قادرة على العمل في البرد، لمنع تجمد أو تصلب الأغشية الدهنية، وهنا يجب استخدام الأحماض الأمينية الحرة (مثل البرولين والجلايسين بيتاين)، أي أن رش هذه المركبات يعمل بمثابة مضاد تجمد طبيعي، حيث يتراكم داخل السيتوبلازم ليحافظ على سيولة الأغشية ويمنع تهتكها، مما يبقي مسارات النقل داخل الخلية مفتوحة.
وأوصى العلماء أيضا بتنشيط تكوّن الدهون غير المشبعة، من خلال دعم النبات بعناصر مثل السيليكون والبورون لتعزيز تركيب جدار خلوي مرن وقوي يتحمل انكماش البرد دون تلف.
2 ـ تنشيط الإنزيمات ومسارات الطاقة ATP بالمنظمات الحيوية، حيث يتعرض تخليق الإنزيمات للكسل في البرد، وبالتالي يجب إمداد النبات بمحفزات خارجية تعوض هذا النقص، ومنها: مستخلصات الأعشاب البحرية الغنية بالسايتوكاينينات الطبيعية والجبريلينات التي ترفع من كفاءة التمثيل الغذائي وتحفز إنتاج إنزيمات البناء الضوئي حتى في درجات الحرارة المنخفضة.
وفي هذه النقطة أيضا، أوصى العلماء بضرورة استخدام الأحماض العضوية مثل حمض السيتريك والمليك، وذلك بحقنها أرضيا، أو رشها ورقيا وذلك لاختصار خطوات مهمة في دورة كربس، مما يوفر طاقة جاهزة ATP تدفع العجلة الاستقلابية للحركة دون انتظار التفاعلات البطئية المعتادة.
3 ـ إمداد النبات بالمحفزات الحيوية، مثل: الأحماض الدبالية (الهيوميك) والفولفيك التي تفيد في تحسين النشاط الجذري في الأجواء الباردة، حيث أن الجذور تبرد وتتوقف عن الامتصاص، وهنا يأتي دور أحماض الفولفيك لتعزيز النفاذية واختراق الغشاء الجذري لجلب العناصر المغذية رغم برودة الوسط المحيط.
ـ وفي هذه النقطة كمحفزات طبيعية، يجب التدخل بالمغنيسيوم والحديد المخلبي، كونهما يمثلان عصب الكلوروفيل، "فالبرد يسبب اصفراراً فجائياً لتعطل تكوين الصبغيات، والرش المدروس للمغنيسيوم المرتبط بالأحماض الأمينية يضمن بقاء الآلية الضوئية خضراء ونشطة، بما يضمن استمرار علميات البناء الضوئي".
4 ـ إدارة التوازن الهرموني تجنب الإجهاد التأكسدي، فالبرودة الشديدة تحفز النبات على إنتاج حمض الأبسيسيك ABA بغزارة، وهو الهرمون المسؤول عن إغلاق الثغور ودخول النبات في حالة سكون، ولمواجهة هذه الحالة يجب التدخل بجرعات مدروسة من السايتوكاينينات أو مركبات مضادة للإجهاد للتغلب على سيادة الأبسيسيك، وإجبار الثغور على البقاء مفتوحة بشكل متزن للتبادل الغازي ودخول ثاني أكسيد الكربون اللازم للبناء الضوئي.
واختتم العلماء هذه النقطة بقولهم: إ،ه بهذه المنظومة المتكاملة من حماية الأغشية الخلوية، وتوفير الطاقة الجاهزة، والتحكم الهرموني، نتحايل على الطبيعة لنقهر برودة الشتاء تماماً كما قهرنا لهيب الصيف".
سليكات البوتاسيوم والبرولين
وفي أبحاث أخرى لفك طلاسم سكون البرد، قال باحثون إنهم جربوا بنجاح استخدام سليكات البوتاسيوم رشا على النباتات أثناء البرد، وذلك لتكوين درع واق تحت طبقة الكيوتيكل في الأوراق، حيث أن ترسبات السليكون في الجدر الخلوية للأوراق والسيقان لا تحمي النبات من تبخر الماء فقط، بل تشكل "سترة عازلة" تقلل من الإشعاع الحراري المفقود من أسطح الخلايا إلى الجو البارد المحيط، وتقلل بشكل مباشر من فرص تهتك الأغشية الخلوية عند حدوث انخفاض مفاجئ أو صقيع.
ولم يتجاهل العلماء في البحث ذاته، ضرورة التدخل بالأحماض الأمينية الحرة التي تحمل رابطتي (الأمين) والكربوكسيل، مثل: البرولين والجلايسين بيتايين، وذلك لقدرتيهما على ضبط الضغط الإسموزي داخل الخلية، وبالتالي اجتذاتب أي جزيئات مائية من الرطوبة المحيطة، أو بالامتصاص من الأغشية الخلوية المجاورة، وبالتالي منع تجلط عمود الماء داخل السيقان، أو العصارة داخل البراعم أو الأوراق.
الفسفور والبوتاسيوم إكسير الطاقة
وفي البحث الثاني ذاته، أثبت العلماء ضرورة الاستندا إلى أساسيات تخليق الطاقة وذلك باستخدام الفوسفور الذي يوصف بأنه عمود فقري عملية إنتاج الطاقة ATP التي تفتقدها الخلايا الباردة لبطء تفاعلاتها، "كما أن وجود البوتاسيوم يضمن تنظيم الضغط الأسموزي واستمرار حركة السوائل والمغذيات داخل الأنسجة دون تيبس أو تجمد".
المغنيسيوم والحديد والسيليكون ثلاثي التألق شتاء
وخلص علماء هذا البحث إلى أن حماية النبات بالسيليكون، وشحن طاقته بالفسفور والبوتاسيوم، مع تأمين مصانع الكلوروفيل بالمغنيسيوم والحديد، فإن ذلك لا يمنع "الموت السكوني" للنبات فقط، "بل يُفرض عليه إيقاعاً إنتاجياً مستمراً حتى في أبرد الأوقات"، "وهذا هو الفهم العضوي المتكامل الذي يربط بين حماية البناء الخارجي وتأمين الدورة الحيوية الداخلية للنبات".


.jpg)
























