الأرض
الأحد 16 أغسطس 2026 مـ 12:33 مـ 2 ربيع أول 1448 هـ
موقع الأرض
رئيس مجلس الإدارةخالد سيفرئيس التحريرمحمود البرغوثيالمدير العاممحمد صبحي
معركة البقاء تحت الأرض.. كيف تحارب النباتات ”عطش الموت”؟ الأسعار ”تكتوي” بلهيب الغلاء.. الفاكهة غائبة عن أطباق المواطنين وحسرة في الأسواق موجة الصهد تقترب من نهايتها.. وتحذيرات من «أمراض كامنة» تهدد المحاصيل «زراعة سوهاج» تكشف لـ «الأرض» روشتة الممارسات الذكية لرفع إنتاجية الذرة الرفيعة «زراعة المنوفية» تعزز إنتاجية الأعلاف الخضراء وتتصدى بحسم للتعديات على الأراضي الزراعية الساركوسيست في اللحوم.. الإرشاد البيطري بسوهاج يوضح طرق انتقال الطفيل وسبل الوقاية «حافرة الطماطم» تهدد المحصول الاستراتيجي.. ومزارعو إسنا يطالبون بمكافحة جماعية نائب رئيس مركز البحوث الزراعية: 25 فدانًا لخدمة المربين ودعم البحث والإنتاج ببرج العرب ”الطب البيطري” يكشف مخاطر المتبقيات الدوائية في اللحوم والألبان خبير زراعي يكشف أسباب «الطرد المبكر» للأرز.. ويحذر من فخ التسميد العشوائي محاذير خلط سيليكات البوتاسيوم مع المبيدات والأسمدة الورقية ”العبور” يسجل استقراراً في أسعار الأسماك وتوقعات بزيادة المعروض

معركة البقاء تحت الأرض.. كيف تحارب النباتات ”عطش الموت”؟

كشف الدكتور محمد المليجي، أستاذ أمراض النبات بكلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، عن الآليات الفسيولوجية المعقدة التي تعتمد عليها النباتات لمواجهة الجفاف ونقص المياه، موضحًا أن النبات لا يستسلم سريعًا للظروف القاسية، بل يمتلك منظومة دفاع متطورة تبدأ فور شعوره بتراجع المياه المتاحة حول جذوره.

وأوضح المليجي أن النباتات سبقت الإنسان في احتلال اليابسة والمحيطات بملايين السنين، وهو ما منحها خلال رحلة تطورها الطويلة أنظمة فسيولوجية وتراكيب عضوية تساعدها على تحمل الجفاف ومواصلة الحياة في ظروف قد تمتد لفترات طويلة.

كيف تشعر النباتات ببدء الجفاف؟
وأشار أستاذ أمراض النبات إلى أن النبات لا يدرك جفاف التربة بالطريقة التي يتصورها الإنسان، وإنما يستشعر نقص المياه على مستوى الخلايا والأنسجة، لتبدأ بعدها سلسلة من الإشارات والعمليات الدفاعية المتتابعة.

وتبدأ أولى مراحل الاستجابة عندما تفقد خلايا الجذور جزءًا من ضغط الامتلاء الخلوي، المعروف علميًا باسم Turgor، نتيجة انخفاض المياه في التربة واختفاء الغشاء المائي المحيط بالجذور، فتبدأ الخلايا في الانكماش، وهو ما يمثل إشارة مبكرة إلى تعرض النبات للإجهاد المائي.

هرمون الإجهاد يطلق إنذار الطوارئ
ومع حدوث هذا الانكماش، يرتفع مستوى حمض الأبسيسيك (ABA)، وهو أحد أهم الهرمونات المرتبطة باستجابة النبات للجفاف والإجهاد.

وتنتقل إشارات حمض الأبسيسيك من الجذور عبر النسيج الخشبي (Xylem) إلى الأوراق، ليصل التحذير إلى الأجزاء العليا من النبات، معلنًا بدء مرحلة الدفاع عن المياه المتبقية.

6 خطوات يدخل بها النبات في وضع البقاء
بمجرد وصول إشارات الجفاف إلى الأوراق، يبدأ النبات في تنفيذ مجموعة من الآليات التي تهدف إلى تقليل فقد المياه وحماية الخلايا والأنسجة الحيوية.

1- إغلاق الثغور وتقليل فقد المياه
تعد الثغور الموجودة على سطح الأوراق من أول الأجزاء التي تتأثر بنقص المياه، إذ تبدأ في الانغلاق للحد من خروج بخار الماء من النبات.
ويؤدي هذا الإجراء إلى تقليل معدل النتح والحفاظ على المياه داخل الأنسجة، لكنه في المقابل يحد من دخول ثاني أكسيد الكربون، ما يؤدي إلى انخفاض معدل البناء الضوئي.
2- توجيه الجذور نحو مصادر المياه
يبدأ النبات في إعادة ترتيب أولوياته، فيوجه جزءًا أكبر من موارده نحو الجذور الأكثر قدرة على الوصول إلى المياه الموجودة في الأعماق.
وفي بعض النباتات، تنمو الجذور العميقة باتجاه مصادر المياه، بينما تتراجع أهمية الجذور السطحية مع استمرار الجفاف، بما يساعد النبات على تقليل استهلاك الطاقة اللازمة للحفاظ على أنسجة لم تعد قادرة على الحصول على احتياجاتها المائية.
3- لف الأوراق وزيادة الحماية الشمعية
ومن وسائل الدفاع الأخرى التي يلجأ إليها النبات تقليل مساحة سطح الأوراق المعرضة لفقد المياه، إذ يمكن أن تلتف بعض الأوراق إلى الداخل أو تنطوي للحد من التبخر.

وبالتزامن مع ذلك، قد يزيد النبات من إنتاج المواد الشمعية التي تسهم في تقوية الطبقة الكيوتيكولية الخارجية للورقة، بما يساعد على الحد من تسرب المياه وفقدها إلى الغلاف الجوي.
مواد واقية تحمي الخلايا من التلف
4- إنتاج البرولين والسكريات
مع استمرار فقد المياه، تزداد تركيزات المواد الذائبة داخل الخلايا، وهو ما قد يهدد استقرار البروتينات والأغشية الخلوية.
ولمواجهة ذلك، تنتج النباتات مواد ذائبة واقية تعرف باسم المذابات الواقية (Osmoprotectants)، ومن أبرزها البرولين وبعض أنواع السكريات، وتساعد هذه المركبات على المحافظة على توازن المياه داخل الخلايا وحمايتها من أضرار الإجهاد المائي.
5- تشغيل منظومة مضادات الأكسدة
ولا يتوقف خطر الجفاف عند فقد المياه فقط، إذ يؤدي إغلاق الثغور واستمرار تعرض الأوراق لأشعة الشمس إلى اضطراب عملية البناء الضوئي وتراكم ما يعرف بـأنواع الأكسجين التفاعلية (ROS).
وتتعامل النباتات مع هذه الجزيئات من خلال زيادة نشاط منظومة مضادات الأكسدة، ومن بينها إنزيمات مثل SOD والكاتالاز، التي تساعد على الحد من تأثير المركبات المؤكسدة وحماية مكونات الخلايا، بما فيها البلاستيدات الخضراء.
عندما يطول الجفاف.. النبات يوقف النمو
6- الدخول في مرحلة السكون
إذا استمر نقص المياه لفترة طويلة، تبدأ النباتات في تقليل الأنشطة التي تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة والمياه، وعلى رأسها النمو وإنتاج الأزهار.
وقد تصل بعض النباتات إلى مرحلة من السكون أو الخمول، مع بدء تساقط أو شيخوخة بعض الأوراق القديمة، بما يسمح بإعادة توجيه بعض العناصر والمركبات الموجودة فيها إلى أجزاء أكثر أهمية لبقاء النبات.
وتصبح الأولوية في هذه المرحلة هي الحفاظ على الجذور والساق والأجزاء الحيوية حتى تتحسن الظروف البيئية وتعود المياه إلى المستويات التي تسمح باستئناف النمو.

الملاذ الأخير.. سقوط الأوراق لحماية النبات
وأوضح المليجي أن النبات قد يصل إلى مرحلة حرجة إذا اشتد الجفاف وتجاوزت آليات الدفاع الطبيعية قدرته على التحمل، حيث يمكن أن تحدث ظاهرة الانسداد الهوائي (Embolism) داخل أوعية النسيج الخشبي، نتيجة دخول فقاعات هوائية تؤثر في استمرارية انتقال المياه داخل النبات.

وفي الحالات الشديدة، قد يلجأ النبات إلى إسقاط ما تبقى من أوراقه لتقليل النتح إلى أدنى مستوى ممكن، والدخول في حالة سكون عميق، في محاولة للحفاظ على الأجزاء الحيوية وانتظار تحسن الظروف وعودة المياه.

الجفاف.. معركة بقاء تبدأ قبل ظهور الذبول
وتكشف هذه الآليات أن ذبول النبات ليس بالضرورة أول علامة على تعرضه للجفاف، بل إن سلسلة طويلة من الاستجابات الفسيولوجية تبدأ قبل وصول النبات إلى هذه المرحلة.

فمن إغلاق الثغور وإعادة توجيه نمو الجذور، مرورًا بإنتاج المركبات الواقية ومضادات الأكسدة، ووصولًا إلى إيقاف النمو والتخلص من الأوراق، يعمل النبات وفق منظومة متكاملة هدفها الأساسي الحفاظ على المياه وتأمين بقاء الأنسجة الحيوية لأطول فترة ممكنة.

وتبرز هذه القدرات أهمية فهم استجابة النباتات للإجهاد المائي، خصوصًا مع تزايد فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، بما يساعد على تطوير أساليب أفضل لإدارة الري وتقليل خسائر المحاصيل تحت الظروف المناخية القاسية.