فاو: صدمة أسعار الغذاء لم تصل إلى جيوب المستهلكين
المنظمة الأممية: زيادة تكاليف النقل والطاقة تستغرق 3-6 أشهر لتنتقل إلى المنتجات النهائية
المزارعون أمام خيارات صعبة.. والمواطن سيعاني.. والقمح والأرز أكبر مصدرين للقلق
حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، من أن الارتفاع الحالي في أسعار الغذاء بسبب الحرب الإيرانية واستمرار الصراع العسكري الدائر بين روسيا وأوكرانيا، ربما لم يصل بالكامل بعد إلى المستهلكين، متوقعاً استمرار الضغوط التصاعدية حتى نهاية 2026، ما لم يتم التوصل إلى تسويات تخفف من حدة الاضطرابات الجيوسياسية.
وهنا، أشار ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في المنظمة الأممية، إلى أن زيادة تكاليف نقل الحبوب والطاقة تستغرق ما بين ثلاثة وستة أشهر لتنتقل إلى أسعار الخبز والمعكرونة وغيرها من المنتجات الذغائية النهائية، وذلك حتى و ان عادت سلاسل الإمداد إلى طبيعتها، وحال ذلك ستحتاج الإمدادات إلى وقت طويل، بشرط انحسار التوترات العسكرية والسياسية.
"المستهلكون للطعام لم يدركوا بعد مدى التأثير الكامل لارتفاع أسعار السلع، بحسب "توريرو"، الذي قال إن الصدمة تنتقل تدريجياً من أسعار الطاقة والأسمدة والنقل إلى المزارعين، ثم إلى أسعار المحاصيل، وأخيراً إلى المنتجات التي تصل إلى المتاجر لتباع إلى الأشخاص العاديين.
وبينما لا يزال الاقتصاد العالمي يحاول امتصاص أثر حرب إيران على أسعار النفط والغاز، يُنذر تحذير "فاو" بصدمة سعرية جديدة، وتحديداً للدول المستوردة للغذاء والطاقة.
وجاءت هذه التصريحات في وقت بدأت فيه أسعار السلع الغذائية العالمية تعكس بعض هذه الضغوط، حيث ارتفع مؤشر "الفاو" لأسعار الغذاء 0.6% في يوليو مقارنة بالشهر السابق، بينما قفز مؤشر أسعار الحبوب 3.4%، وزادت أسعار القمح العالمية 5.8% على خلفية المخاوف من تعطل تدفقات الصادرات عبر البحر الأسود وتأثير موجات الحر على المحاصيل في دول منتجة رئيسية. ومع ذلك، ظل المؤشر العام لأسعار الغذاء أقل بنحو 18% من ذروته المسجلة في مارس 2022.
تتوقع "فاو" أن يبلغ إنتاج الحبوب العالمي نحو 2.98 مليار طن في 2026، بانخفاض 1.9% عن المستوى القياسي المسجل العام الماضي، لكنه سيظل ثاني أكبر محصول في التاريخ، كما تتوقع أن تبقى نسبة المخزونات العالمية إلى الاستخدام عند مستوى مريح نسبياً يبلغ 32% في العام المقبل.
لكن الصورة أقل اطمئناناً بالنسبة إلى القمح، حيث خفضت المنظمة توقعاتها للإنتاج العالمي إلى نحو 806.5 مليون طن هذا العام، بانخفاض 4.3% عن 2025، مع تراجع المحصول لدى عدد من كبار المنتجين، كما تتوقع انخفاض التجارة العالمية في القمح بنحو 4.7% خلال موسم 2026-2027.
وأضافت المنظمة الأممية، أن المخاطر تبدو أقل بالنسبة إلى الذرة في الوقت الراهن، رغم المخاوف المرتبطة بالطقس والمحاصيل الصيفية، بينما يظل القمح والأرز بين السلع التي تستدعي أكبر قدر من المتابعة خلال الأشهر المقبلة.
تضيف الحرب في الشرق الأوسط طبقة أخرى من المخاطر، فمضيق هرمز ليس ممراً للنفط والغاز فقط، بل إن اضطراب حركة الطاقة عبره يرفع تكلفة تشغيل الآلات الزراعية والري والنقل، وكذلك إنتاج الأسمدة النيتروجينية التي يعتمد تصنيعها بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي.
وقبل الصراع الحالي، كان يمر عبر هرمز ما يعادل نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وأكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وأفادت "فاو" - في وقت سابق هذا العام، إن الأزمة الإيرانية بدأت تنتقل من الطاقة إلى الزراعة على مراحل، تبدأ بارتفاع أسعار الوقود والأسمدة ثم تؤثر على قرارات المزارعين واستخدام المدخلات والغلال، قبل انتقالها لاحقاً إلى أسعار السلع والغذاء للمستهلك.
وتظهر البيانات بالفعل ضغوطاً على سوق الأسمدة، فقد انخفض حجم تجارة الأسمدة العالمية بنحو 30% خلال الفترة من يناير إلى أبريل مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق تقرير "توقعات الغذاء" الصادر عن المنظمة في يونيو.
وتمثل هذه الحلقة أحد أكبر المخاطر على الإمدادات في المرحلة المقبلة، لأن أسعار المدخلات ترتفع بوتيرة تضغط على هوامش المزارعين أكثر من ارتفاع أسعار المحاصيل نفسها.
وقد يدفع ذلك بعض المزارعين إلى تقليل استخدام الأسمدة أو التحول إلى محاصيل تحتاج إلى كميات أقل من النيتروجين، ما قد يؤدي بدوره إلى انخفاض الغلة في المواسم التالية.
وهذه هي النقطة التي تجعل الأزمة الحالية مختلفة عن مجرد ارتفاع مؤقت في سعر القمح أو الذرة.
فالنفط يتفاعل سريعاً مع الأحداث الجيوسياسية وتظهر تحركاته فوراً تقريباً في الأسواق، بينما تتحرك سلسلة الغذاء بوتيرة أبطأ.
فيما يحتاج القمح إلى النقل والطحن والتصنيع والتوزيع قبل أن يصبح رغيف خبز، وكل مرحلة تحمل معها تكاليف الطاقة والعمالة والنقل.
لذلك، رأى ماكسيمو توريرو، كبير اقتصاديي الفاو، أن السؤال الذي يواجه أسواق الغذاء حالياً ليس ما إذا كان العالم يمتلك كميات كافية من الغذاء، بل ما إذا كان يستطيع إنتاجها ونقلها إلى المستهلك بتكلفة يمكن تحملها.
وتتفق هذه القراءة مع تقييم "فاو" الأوسع للأسواق، فقد قالت المنظمة في يونيو 2026، إن الإمدادات العالمية لا تزال قوية على مستوى الإنتاج، لكن المخاطر المحيطة بالطاقة والأسمدة والطقس والتجارة تتزايد، ويمكن أن تنتقل سريعاً إلى القدرة على الوصول إلى الغذاء وأسعاره.
وستحدد الأشهر المقبلة إلى أي مدى تتحول هذه الضغوط من أزمة في تكاليف المزارعين وشركات الشحن إلى أزمة في ميزانيات الأسر.


.jpg)












