قبل 40 عاما تحديدا، كان الستر في مصر يعني، القدرة على تأمين المأكل والملبس والمسكن، حتى لو كان يوما بيوم، أو موسما بموسم، والأخير كان يخص الفلاح.
الستر في بيوت الفلاحين، كان مضمونا برأسي ماشية، تنهض عليهما كل العمليات الزراعية، حرث، ري، ودراس، وغيرها، ثم تؤمنان وجبتي حليب طوال العام بالتناوب، وتتمخض إحداهما كل عشرة أشهر عن "ولدة"، غالبا ما تكون هي تحويشة الموسم، إلى جانب حاصل "الزرعة".
كانت "ورشة اللبن" هي المعيار الأساسي لتقييم سعر البقرة أو الجاموسة، بالنسبة للفلاح، فهو لم يضح بفدان من قمحه لصالح البرسيم، إلا ليحول الأخير إلى حليب، يبيع منه للإنفاق على "العيال"، أو يختزن منه الجبن، والسمن البلدي، وعلى هامشه تنمو البركة في "صحن مش"، أو "طاجن معمر"، كوجبة رئيسية دسمة، لم يحسبها الفلاح "برا ولا عزا"، كونها تُفرَض ربما ثلاث مرات أسبوعيا.
لم يكن الفلاح بمعزل عن منظومة الزراعة الحكومية، فكان الالتزام بالدورة الثلاثية هو الأساس، والخروج يعني "مخالفة" واجبة الغرامة، كما كان يعرف موعد صرف "الكُسْب" من شونة الجمعية، وموعد توريد الأرز والقمح والقطن أيضا، إلى الشونة ذاتها، لينتظر "القبض" النقدي، الذي كان غالبا ما يسد فراغ الخانات الكبرى في حياة الفلاحين، "زواج، كسوة سنوية، بناء غرفة، وربما شراء قيراط جديد يزيد به حيازته الزراعية".
لم تكن البيضة والفرخة والوزة والبطة، هي المفردات البروتينية المجانية في الوجبة الفلاحية فقط، بل كانت الأسماك أيضا هدية ربانية في الترع والقنوات، وربما في مزارع الأرز، قبل أن تعتمدها وزارة الزراعة سابقا، لوضع "زريعة" البلطي في مزارع الأرز، كنوع من التحميل المفيد في تحقيق قيمة مضافة للأرض والزراعة.
كانت البهجة، بذلك، إحدى العطايا الإلهية التي كانت تضيء حياة الفلاح وتربطه بالأرض، ومن قيمة الأخيرة تم ربطها بالـ "عرض"، على الرغم من ضيق الحيازة الزراعة، وعدم تطور منظومة البحوث الزراعية آنذاك، فكانت أصناف التقاوي والبذور محدودة، وتكنولوجيا الزراعة كانت تقف عند "المحراث البلدي" والساقية، بعد الشادوف، والمنجل، والفأس.
أما الآن، فنرى البهجة "عملة مفقودة"، لماذا؟
ـ الإجابة مطلوبة من كل مسئول عن البلاد والعباد تحت سماء الدولة المصرية، مع الوضع في الاعتبار توافر التطور التقني الهائل في مجال الزراعة، ووجود 11500 عالم وباحث في معاهد مركز البحوث الزراعية فقط، أكثر من 14 كلية زراعة، 150 محطة ميكنة زراعية، جهاز عملاق لتحسين الأراضي، مشروع لتطوير الري الحقلي، إضافة إلى المشاريع ذات المنح الأجنبية، وهيئة الخدمات البيطرية، والمعامل المرجعية للرقابة على مدخلات الإنتاج الحيواني والداجني، والزراعات الحديثة، وإضافة 2.5 مليون فدان صحراوي إلى رقعة الوادي والدلتا القديمة، منذ عام 1984 حتى عام 2004.