دور جهاز مستقبل مصر في إحياء زراعة وتعطين وصناعة الكتان بالدلتا الجديدة
يحتل الكتان مكانة تاريخية فريدة في الذاكرة الزراعية والصناعية المصرية، حيث يعد من أقدم المحاصيل التي عرفها المصري القديم واستخدمها في نسج أجود أنواع الأقمشة التي طافت العالم. وعلى مر العصور، تمتعت الألياف المصرية بسمعة عالمية بفضل متانتها ونقاء أليافها. غير أن هذه الصناعة العريقة واجهت على مدار العقود الأخيرة تحديات هيكلية وبيئية عديدة أدت إلى تراجع مساحاتها وانحسار تواجده في بعض الجيوب التقليدية المحدودة مثل "شبراملس" بمحافظة الغربية.
واليوم، ومع انطلاق الجمهورية الجديدة وتبني الدولة لاستراتيجيات التنمية المستدامة، يبرز جهاز "مستقبل مصر" للتنمية المستدامة كقاطرة حقيقية لإعادة صياغة الخريطة الزراعية والصناعية في مصر، لاسيما من خلال مشروعه العملاق في "الدلتا الجديدة". ولا يقتصر دور الجهاز على التوسع في المحاصيل الاستراتيجية فحسب، بل يمتد لتبني نموذج متكامل لإحياء وتطوير "حلقة الكتان" برمتها: زراعةً، وتعطيناً، وتصنيعاً.
1. الدلتا الجديدة: آفاق جديدة لزراعة الكتان وفق أحدث النظم العالمية
يمثل مشروع "الدلتا الجديدة" وبقعته الواسعة كامتداد استراتيجي على محور الضبعة، أكبر مشروع تنموي متكامل في تاريخ مصر الحديث. في هذا البيئة الزراعية الحديثة التي تعتمد على نظم الري المتقدمة والتكنولوجيا الذكية، يخطط جهاز "مستقبل مصر" لإدخال الكتان ضمن التركيبة المحصولية بأسلوب علمي مدروس.
• التوسع المدروس: الانتقال من زراعات تقليدية محدودة النطاق إلى مساحات واسعة تدار بآليات الميكنة الزراعية الكبرى، مما يرفع من إنتاجية الفدان ويحسن الخصائص الفيزيائية للألياف.
• الاستغلال الأمثل للموارد: يتكيف الكتان مع طبيعة التربة والظروف المناخية للمنطقة، إلى جانب كونه محصولاً اقتصادياً صديقاً للبيئة يستهلك كميات مياه تتناسب مع استراتيجيات الإدارة الرشيدة للموارد المائية التي يتبناها الجهاز.
2. ثورة "التعطين الحديث": حل المعضلة البيئية والصناعية
تُعد مرحلة التعطين (فصل الألياف عن الساق) العقبة التاريخية الكبرى في صناعة الكتان؛ إذ كانت الطرق التقليدية تعتمد على برك الراكد التي تسبب أثراً بيئياً سالباً واستهلاكاً غير منضبط للمياه وتذبذباً في جودة الألياف الناتجة.
وهنا يبرز الدور الريادي لجهاز "مستقبل مصر" بالتعاون مع الوزارات المعنية (كالصناعة والزراعة والتعليم العالي والمراكز البحثية) في إرساء مسار موازٍ ومتطور بالمنطقة الصناعية والزراعية بالضبعة ودعم مسارات التطوير الشامل:
نقل وتوطين التكنولوجيا الحديثة: دراسة وإدخال أحدث تقنيات التعطين الآلي والبيئي الآمن التي تستخدم عالمياً لضمان إنتاج ألياف عالية الجودة ونظيفة، خالية من الشوائب ومطابقة للمواصفات القياسية الدولية.
• الاستدامة البيئية: القضاء على الآثار البيئية السلبية المرتبطة بطرق التعطين التقليدية القديمة، وتحويل هذه الصناعة إلى نموذج أبيض مستدام يتماشى مع معايير الاقتصاد الأخضر.
3. التكامل الصناعي وتعظيم القيمة المضافة (من الحقل إلى التصدير)
لا يقف دور "مستقبل مصر" عند حدود الحصاد والتعطين، بل يرتكز استراتيجياً على تعظيم القيمة المضافة من خلال إنشاء سلاسل قيمة متكاملة:
• الشراكات الدولية والمحلية: فتح قنوات تعاون جادة مع كبرى الشركات الأجنبية والمحلية الرائدة في مجالات زراعة وتصنيع الكتان، لنقل الخبرات الفنية العالية وكسب المهارات للكوادر المصرية.
• الصناعات التكميلية والمشتقات: لا يقتصر الاستفادة من الكتان على الألياف الطويلة المخصصة للمنسوجات الفاخرة فحسب، بل يمتد للاستفادة من الألياف القصيرة في صناعات الأوراق النقدية والخيش وعزل الصوت، فضلاً عن استخلاص الزيوت الحارة (زيوت بذر الكتان) والأعلاف الغنية بالبروتين الناتجة عن الكسب، مما يحقق استغلالاً بنسبة 100% لمكونات المحصول.
• بناء الهوية العالمية للمنتج المصري: وضع الكتان المصري على خريطة المنافسة العالمية بجودة فائقة تضمن عودته بقوة إلى الأسواق الأوروبية والعالمية، مما يقلل الفجوة الاستيرادية ويوفر عوائد دولارية هامة للاقتصاد القومي.
4. البعد الاجتماعي والاقتصادي: فرص العمل والتنمية المستدامة
تتكامل منظومة الكتان في الدلتا الجديدة مع أهداف التنمية المجتمعية والبشرية التي يطرحها جهاز "مستقبل مصر":
• توظيف العمالة الكثيفة: تتطلب صناعة الكتان (بمراحلها المختلفة من جنيه، وتعطين، وتكسير، وفرز، وغزل) أيادي عاملة مدربة، مما يوفر آلاف فرص العمل الجديدة والمباشرة وغير المباشرة للشباب.
• إحياء التجمعات الصناعية وتطويرها: تكامل الجهود المبذولة في الدلتا الجديدة مع تطوير القلاع الصناعية القائمة والأسواق التقليدية (مثل تطوير شركة طنطا للكتان وتجمع شبراملس)، لخلق منظومة وطنية متناغمة تقود النهوض بهذا القطاع من الجذور وحتى التصنيع التصديري.
5. صناعة زيت الكتان والاستثمار فيه: القيمة المضافة والشراكات الاقتصادية الواعدة
لا تقف القيمة الاقتصادية للكتان عند حد الألياف والمنسوجات الفاخرة، بل يمتد أثرها الاستثماري إلى صناعة استخلاص وتكرير زيت الكتان (الزيت الحار)، والذي يمثل حجر زاوية في قطاعي الأغذية والصناعات التحويلية. وفي إطار رؤية جهاز "مستقبل مصر" للتكامل الزراعي الصناعي بالدلتا الجديدة، يبرز الاستثمار في عصر وتكرير بذور الكتان كفرصة استراتيجية لتعظيم المردود الاقتصادي لجميع مخرجات المحصول دون إهدار؛ حيث تُستخدم الزيوت عالية النقاوة في القطاع الغذائي والداروائي كمنتج صحي غني بأحماض "أوميجا 3" والـ "أوميجا 6"، بينما تُوجَّه الزيوت الصناعية لإنتاج الطلاءات، والأحبار، والدهانات البيئية المتطورة. إن إقامة معاصر ومصانع تكرير حديثة بالمنطقة الصناعية بالدلتا الجديدة بالتعاون مع كبرى الشركات المتخصصة والمستثمرين، من شأنه فتح آفاق واسعة لإنتاج زيوت عالية الجودة تُغطي الاحتياج المحلي وتستهدف التصدير للأسواق العالمية، فضلاً عن الاستفادة المباشرة من "الكُسب" المتبقي من عملية العصر في دعم صناعة الأعلاف المركبة عالية البروتين للثروة الحيوانية، مما يحقق نموذجاً استثمارياً دائرياً مستداماً يعزز الأمن الغذائي ويوفر عوائد استثمارية مجزية.
6. الشراكة الاستراتيجية مع المستثمر الصيني: القفزة التكنولوجية والتوسع لـ 100 ألف فدان
تتوج الشراكة الاقتصادية الطموحة مع المستثمرين والشركات الصينية الرائدة مسار إحياء صناعة الكتان في مشروع الدلتا الجديدة، حيث تمثل الصين أكبر مركز عالمي لتصنيع واستهلاك ألياف الكتان والمنسوجات الكتانية. وتأتي هذه الشراكة الاستراتيجية تحت مظلة جهاز "مستقبل مصر" للتنمية المستدامة لترسيخ نموذج عملاق يعتمد على التوسع في المساحات المزروعة لتتجاوز 100 ألف فدان، مما يحول المنطقة إلى مركز إقليمي ودولي لتصنيع وتصدير الكتان. ولا يقتصر هذا التعاون المصري-الصيني على مجرد ضخ الاستثمارات المباشرة وتوفير منافذ تصديرية مضمونة ومستدامة، بل يمتد لنقل التكنولوجيا الحديثة ونواحي الخبرة الفنية في مجالات الميكنة الزراعية الشاملة، ونظم الري الذكية، والتعطين البيئي المتطور، وتقنيات الفرز والغزل الفائقة. إن هذا التكامل النموذجي بين الإمكانات والأراضي الزراعية المصرية الشاسعة والخبرة الصناعية والتسويقية الصينية، يضمن تحويل الـ 100 ألف فدان إلى سلاسل قيمة مضافة فائقة الجودة، ترفع من معدلات النمو الاقتصادي وتضع مصر في صدارة الموردين العالميين لمنتجات الكتان الخام والمصنعة.
إن تبني جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة" لملف زراعة وتعطين وصناعة الكتان في الدلتا الجديدة ليس مجرد خطوة للتوسع الزراعي، بل هو إحياء لسيادة صناعية عريقة افتقدتها الأسواق لسنوات طويلة. من خلال التخطيط العلمي، وإدخال التكنولوجيا الحديثة، وبناء الشراكات الذكية، يثبت الجهاز مجدداً قدرته على تحويل المخرجات الزراعية إلى رأس مال صناعي استراتيجي، يضع مصر في مكانتها المستحقة على الخريطة العالمية لصناعة الكتان الأخضر المستدام.
-----------------------------------------
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية


.jpg)












