”القشة” التي ”تجبر” ظهر الدولة

لن تنجح أي عقوبة أو غرامة تقرها الدولة في منع الفلاح من زراعة الأرز بالمساحات التي يراها في صالحه مباشرة، ولا في إثنائه عن حرق القش في الأرض، دون تقدير لمخاطر هدر المياه على الأمن القومي المائي لمصر، ولا لأذى السحابة السوداء على البلاد والعباد، ما دام المعنيون بالشأن العام لم يجتهدوا في وضع حوافز "الالتزام"، قبل عقوبة "المخالفة".
اقتصاديات العالم تنهض على عدة ثوابت، أهمها: مبدأ المنح قبل المنع، فيكون الأول لصالح الفرد لتخفيف الاحتقان المجتمعي تجاه الحاكم والحكومة، ويكون الثاني بضوابط تضمن عدم الخرق يأيدي مافيا "حلب" المنافع الشخصية من أثداء القوانين والقرارات المترهلة، ومن المؤكد أن الضوابط ستحقق نتائج إيجابية أيضا للدولة.
وفي قضية حرق قش الأرز، مثال عملي على سوء تطبيق الحكومة المصرية، نظرية "المنح قبل المنع" باقتدار، لتجنيب الدولة مخاطر وقوع "فاس المخالفة في رأس النظم والقوانين"، وبالتالي هدر المليارات، وضياع جميع فرص تحقيق القيمة المضافة.
الإحصاءات الواردة من الدكتور أحمد أبو اليزيد رئيس قطاع الخدمات والمتابعة في وزارة الزراعة، تؤكد أن قرارات المنع المشفوعة بالغرامة المشددة (4000 جنيه على الفدان) لم تمنع المخالفات، حيث تمت زراعة أكثر من 1.3 مليون فدان أرز في صيف 2016، بدلا من 700 ألف فدان (المقررة من وزارة الري بحسم، لموسم صيف 2017)، لتكون النتيجة نحو أربعة ملايين طن أرز، ونحو 2.6 مليون طن قش في صيف 2016 الحالي.
في دراسات مصرية موثقة، تبين أن كيلو الأرز الخام "الشعير"، يستهلك ما بين 2.5 و4 أمتار مكعبة من مياه الري، أي أن تكلفة إنتاج كيلو الأرز الشعير من بند المياه فقط، تبلغ نحو 15 جنيها، (على اعتبار تسعير ليتر المياه بخمسة قروش فقط)، ولأن كيلو الأرز الشعير ينتج 0.7 كيلو أرز أبيض، فتكون حصة الكيلو الأبيض من تكلفة مياه الري فقط نحو 21 جنيها، ما يعني أن تصدير كل كيلو أرز أبيض خارج مصر يحقق خسارة قدرها نحو 12 جنيها من القيمة العادية لمياه الري المصرية.
ووفقا لما انتهت إليه لجنة مشكلة من "الزراعة" و"الري"، فإن المساحات المخالفة في موسم 2016 بلغت نحو 300 ألف فدان، (حيث كان المسموح نحو مليون فدان فقط)، أنتجت نحو مليون طن أرز فائض عن الحاجة الاستهلاكية للشعب المصري، استهلكت نحو 2.7 مليار متر مكعب من المياه، كانت كفيلة بزيادة مساحة القطن والذرة بنوعيها، البيضاء، أو الصفراء، بإجمالي مساحة قدرها 900 ألف فدان، لأن المياه اللازمة لزراعة فدان أرز، تكفي لزراعة نحو ثلاثة أفدنة من محصولي الذرة أو القطن.
عمليا، ماذا ستفعل الدولة حيال مليون طن أرز فائض استهلكت مياها بنحو 15 مليار جنيه، و2.6 مليون طن قش، حرقها كفيل بإفساد بيئة مصر والمصريين، ورفع فاتورة الصحة العامة وعلاج الربو والأمراض الصدرية، إضافة إلى مساهمتها في زيادة مخاطر الاحتباس الحراري على مصر، والآثار السلبية للتغيرات المناخية على الزرع والضرع والنسل.
ـ الحلول المتاحة تجسد مسئولية مشتركة بين أربع وزارات: الزراعة، الري، البيئة، والتنمية المحلية، ولتبدأ الزراعة بإعلان أسعار المحاصيل الاستراتيجية قبل موسم زراعتها، بما يضمن 350 جنيها لأردب الذرة، و2000 جنيه لقنطار القطن، وربط سعر الأرز عند 2400 جنيه، وهنا سيقنع الفلاح بزراعة أرضه وفقا للخطة الزراعية التي تحددها الدولة، لأنه سيضمن تنويع محصوله الصيفي بين زراعات متساوية في الربحية، (ولكل محصول حكاية وظروف، تتطلب مقالا منفصلا).
ـ في خط مواز، يأتي دور وزارتي البيئة والتنمية المحلية، لتوسيع خطة تدوير مخلفات القش، بدلا من الاكتفاء بالبروتوكول الذي ضم وزارة الزراعة إليهما أيضا، بتدوير 200 ألف طن قش فقط لتحويلها إلى أعلاف غير تقليدية للماشية، وسماد عضوي للأراضي الزراعية، وجمع نحو 500 ألف طن وكبسها في شكل "بالات" لصالح الفلاحين بالمجان.
هذه المعلومات أتيحت من الدكتور سيد خليفة رئيس قطاع الإرشاد في وزارة الزراعة، الذي أكد أن البروتوكول مخصص للمزارع الصغير، الذي لا يملك مساحة تعينه على اقتطاع جزء منها لتشوين بالات القش، وأن الفلاح يحصل على كل مستلزمات تحويل القش إلى سماد أو علف مجانا، إضافة إلى 50 جنيها مقابل كل طن قش يجمعه بنفسه، ويحوله إلى بالات باستخدام المكابس التي أتاحتها وزارة البيئة، بالتعاون مع المحليات.
هذا الاستثمار الناقص لم يفتح الباب أمام الاستثمار الأمثل لقش الأرز، كما هو متاح في باب فوائده المنشورة على شبكة الإنترنت، ومنها: صناعة الورق، وصناعة الأخشاب المضغوطة، وإقامة المباني غير التقليدية الموفرة للطاقة، وغيرها.
وبالعودة إلى نظرية "المنح قبل المنع"، كان من المفروض أن توفر وزارة البيئة الحوافز العملية، بالتعاون مع المحليات، وبنك التنمية والائتمان الزراعي، من خلال تشجيع إقامة المشاريع الصغيرة للشباب في الأقاليم، وذلك بتوفير قروض لشراء المكابس، واستثمار ما لدى وزارة الزراعة من مراكز دعم إعلامي وإدارات إرشاد زراعي، لتدريب الشباب والفلاحين على طرق تحويل القش إلى أعلاف أو سماد حيوي، حيث يوفر طن القش قيمة مضافة قدرها 400 جنيه، تغني عن طن علف يقدر بنحو 4500 جنيه.
حرق القش يفيد الفلاح فقط في التخلص من بذور الحشائش، وإضافة بعض العناصر والمعادن التي يخلفها الحرق في الرماد، لكن الفلاح ليس لديه دراية أيضا بما يخلفه الحرق من قتل الحمل الميكروبيولجي للتربة، بما يجعله خاسرا في النهاية رصيد الطبقة السطحية من عوامل الخصوبة الحيوية.
القيمة المضافة رهان الدول المتقدمة في استثمار خاماتها، وتحويل التالف منها إلى منافع، وليفتح وزير البيئة نافذته على الفلبين، وذلك بتشكيل فريق عمل لزيارتها، لنسخ تجربة شرق أسيا في استثمار قش الأرز، الذي يْزرع هناك على مدار العام، وتنتج منه الفلبين وحدها، خمسة أضعاف ما تنتجه مصر، أرزا وقشا، فتغزو بالأول جميع دول العالم لجني العملة الصعبة، بينما تحول الثاني إلى صناعات يعجز العقل عن تصورها، لتثبت أن "من القش ما يسمن".

