شعار ”التموين”: عيش ”بالسم الهاري”

-
بقلم: محمود البرغوثي
لا هنيئا ولا مريئا .. فوزير التموين أعلنها صراحة: "بالسم الهاري".
أخيرا، خر البطل صريعا، إذ لم تمر على هدوء أعصاب عصام فايد وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، وتصريحاته الواثقة، سوى 24 ساعة، قبل أن يسلّم بالضربة القاضية، وفي وضع "لمس أكتاف" أمام وزير التموين خالد حنفي، على خشبة مسرح "سلامة الغذاء" التي يدعي أنه ينتمي أكاديميا إلى عالمها الرحب والإنساني.
الرجل الذي تفاخر بأنه تخصص "سلامة غذاء" في مؤتمر صحفي أمس في ديوان عام الوزارة، أثناء تكريم موظف تبرع لصندوق "تحيا مصر" بـ 30 جنيه شهريا من راتبه مدى الحياة، لم يطلع عليه نهار اليوم التالي (صباح اليوم)، إلا وهو قد قرر إقالة الدكتور سعد موسى رئيس الإدارة المركزية للحجر الزراعي، لمجرد أن موسى وقف كجندي مصري أصيل ضد تلويث خبز المصريين بفطر الإرجوت السام.
فرنسا وتجار القمح المصري أصحاب وزير التموين خالد حنفي، أرادوا تمرير القمح المستورد إلى مصر بمعايير منظمة الـ "كودكس"، المعنية بتداول الحاصلات الزراعية الغذائية للاستهلاك الآدمي، لكن لا تعنيها "حماية الإنتاج الزراعي" الذي هو دور منظمة "الصحة النباتية"، لذا تسمح الأولى بتمرير القمح الملوث بنسبة إرجوت في حدود 0.05 %، وهو ما رفضته لجنة الحجر الزراعي بالإجماع في اجتماعها الأخير منتصف شهر فبراير الماضي.
ولمن لم يعرف الإرجوت، فهو فطر سام جدا، ينمو على سنابل القمح والشعير والشيلم والشوفان، وكيزان الذرة، ويصنف كمرض نباتي حال ظهورة، ويأخذ درجة "شديد الخطورة"، وذلك لثبوت خطورته على الصحة العامة، سواء للإنسان أو الحيوان حال التغذية على المخبوزات أو الأعلاف المصنّعة من بذور أو مستخلصات ملوثة به، ويتسبب في الإجهاض للنساء والماشية، أي أنه يدمر الإنسان والثروة الحيوانية، وقد يؤدي على المدى الطويل من تناول منتجات ملوثة به إلى مرض السرطان.
سعد موسى، من الباحثين الشبان، الذي لمع نجمه في وزارة الزراعة، كدُرّة نظيفة، كادت تمسح السمعة السيئة التي لحقت بالوزارة بعد سقوط وزيرها صلاح هلال، وحظه العاثر أن خالد حنفي وزير التموين وتجار القمح المستورد تلقوا هزيمة وطنية في باب "القمح" بعد بتحديد سعر القمح المصري بـ 420 جنيها للأردب، بدلا من مساواته بالسعر العالمي (241 جنيها)، وذلك بضغط الصحافة ونواب البرلمان.
أبى خالد حنفي وزبانية القمح المستورد، أن يستسلموا لقرار منع القمح الملوث بالإرجوت، فالمراكب عامرة بالغلال الملوثة في الموانئ المصرية، وتصبح عرضة للإعادة أو الإعدام على نفقة المستوردين، حال عدم السماح بمرورها، فكان من الأيسر إزاحة حائط السد المصري المنيع، الدكتور سعد موسى، لتمرير جرعة السم إلى رغيف عيش الغلابة.
لست أدري، لماذا الصمت على هذا الـ "خالد" أو هذا الـ "حنفي"، الذي يحرص على تطبيق منظومات مسروقة، يسهل اختراقها، مثل استغلال أصحاب المخابز نظام بطاقات الخبز لتمريرها في الأجهزة، للحصول على 30 قرشا لكل رغيف، ثم دفع الكميات المخبوزة مجانا في الحوراي.
أقنع خالد حنفي المصريين بأن رغيف العيش المدعم المحسّن بـ "خمسة قروش"، وهو في الحقيقة يقل وزنا عن سابقه المشوه، وعلى الرغم من صلاحية الرغيف كاملا للأكل، أي عدم "رمي" نصفه في القمامة، لا يزال حجم استيراد القمح من الخارج عند معدلاته السابقة، فهل يصحو نواب البرلمان، أو تصحو منظمات المجتمع المدني لما يمكن أن يحدث؟
ما سوف يحدث ببساطة" هو تسميم "عيش المصريين" لصالح حفنة من مستوردي الأقماح الرديئة، ليكون شعار وزارة التموين على مخابزها "عيش بالسم الهاري".


