معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية.. حلقة الوصل بين البحث والصناعة

معهد تكنولوجيا الأغذية صرح عملاق يضم نخبة من علماء مركز البحوث الزراعية الذى يمثل الدور الأساسى والرئيسى فى البحث العلمى فى مجال الزراعة . وعندما نتحدث عن الصادرات الزراعية المصرية يجدر بنا ذكر الدور الحقيقي لأصحاب الإختصاص فى تكنولوجيا الغذاء فعندما نتحدث عن فتح أسواق جديدة للمنتجات الغذائية المصرية فإننا لا نتحدث فقط عن الزراعة أو التجارة أو التسويق بل نتحدث عن علم وتكنولوجيا الغذاء - وهنا يأتي الدور المهم لـ معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية بوزارة الزراعة وإستصلاح الأراضي بما يمتلكه من خبرات و بحوث وتطبيقات في مجال تصنيع وحفظ وتطوير المنتجات الغذائية فالمنتج الذي نريد أن ندخل به إلى سوق مثل الصين يحتاج إلى أكثر من مجرد جودة أولية بل يحتاج إلى : منتج مناسب للمستهلك ذو مواصفات ثابتة مطبق عليه معايير سلامة غذاء و بفترة صلاحية مدروسة و بتكنولوجيا تصنيع و تعبئة وتغليف مناسبة علاوة على قيمة غذائية واضحة و قدرة على تحمل ظروف النقل والتخزين.
وهذه كلها مجالات تقع فى إختصاصات هذا الصرح العظيم ليصبح معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية أحد أهم الجسور بين الإنتاج الزراعي المصري والسوق العالمي من خلال تحويل نتائج البحث العلمي إلى منتجات يمكن للشركات المصرية تصنيعها وتسويقها وتصديرها
الصين.. بوابة للمنتجات الغذائية المصرية
مع زيارة الرئيس الصيني إلى مصر خلال الأيام الماضية ، وما صاحبها من توقيع العديد من الإتفاقيات ومذكرات التفاهم التى تعكس عمق العلاقات المصرية الصينية و التي تسهم فى فتح آفاقاً جديدة للتعاون بين البلدين ، عادت إلى ذاكرتي تفاصيل زيارتي إلى الصين عام 2019 تلك الزيارة التي كشفت لي عن قرب حجم هذا السوق العملاق و تنوع إحتياجاته و نمطه الغذائي .
ومنذ ذلك الوقت ظل سؤال يراودني : هل يمكن أن تكون الصين البوابة الأكبر أمام المنتجات والصناعات الغذائية المصرية إلى الأسواق الآسيوية ......؟
أعتقد أن الإجابة تستحق أن نتوقف أمامها بجدية ؛ فالصين ليست فقط سوقاً يضم أكثر من مليار مستهلك وإنما منظومة إقتصادية وغذائية ضخمة تتغير فيها أنماط الإستهلاك وتتزايد فيها فرص المنتجات ذات الجودة والقيمة المضافة.
وهنا تبرز فرصة حقيقية أمام الصناعات الغذائية المصرية , ليس فقط لتصدير منتجاتنا إلى الصين وإنما لبناء حضور مصري مستدام في هذا السوق العملاق من خلال منتجات ذات جودة عالية بمواصفات تتوافق مع متطلبات المستهلك الصيني بجانب الترويج الذكي للمنتج المصري وبناء علامة تجارية قادرة على المنافسة. إن الصين قد لا تكون مجرد سوق تصديرية جديدة أمام الغذاء المصري ، بل يمكن أن تكون البوابة الأكبر لإنطلاق الصناعات الغذائية المصرية نحو أسواق آسيا.
و حين نترك الإنطباعات جانباً و ننظر إلى الأرقام الرسمية , نجد أن الفرصة أمام المنتجات الغذائية المصرية فى السوق الصينى حقيقية و واعدة و تستحق أن تتحول من مجرد فرص محتملة إلى إستراتيجية تصديرية متكاملة . فقد بلغت الصادرات المصرية إلى الصين خلال عام 2025 نحو 526.6 مليون دولار وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مقابل 398.1 مليون دولار عام 2024 بزيادة بلغت 32.3%. وفي المقابل بلغت الواردات المصرية من الصين نحو 19.6 مليار دولار ليصل إجمالي التبادل التجاري إلى نحو 20.1مليار دولار و كانت الفواكه من أهم مجموعات السلع المصرية المصدرة إلى الصين، بقيمة بلغت نحو 100.9 مليون دولار .
إن هذة الأرقام تكشف عن حقيقة واضحة و مفادها أن الصين شريك تجاري ضخم لمصر، لكن صادراتنا إليها لا تزال أقل بكثير من الإمكانات المتاحة - وهنا تظهر صناعة الغذاء كأحد المجالات التي يمكن أن تسهم في تغيير هذه المعادلة.
الفراولة المصرية.. نموذج يجب أن نتعلم منه
إذا أردنا البحث عن قصة نجاح مصرية حقيقية في السوق الصينية فعلينا أن نتوقف أمام الفراولة المجمدة, فوفق بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية صدرت مصر إلى الصين خلال عام 2025 نحو 36 ألف طن من الفراولة المجمدة بقيمة 79.1 مليون دولار, والأكثر أهمية أن مصر جاءت في المركز الأول بين موردي الفراولة المجمدة إلى الصين بفارق كبير عن المورد التالي فقد بلغت صادرات تشيلي إلى الصين من نفس المنتج نحو 4.84 مليون دولار فقط , وهذا ليس مجرد رقم تجاري إنه دليل على أن المنتج المصري يستطيع أن يحتل موقعاً متقدماً جداً في السوق الصينية عندما تتوافر الجودة والقدرة الإنتاجية والسعر والتوافق مع إحتياجات الصناعة , كما تشير تحليلات تجارة الفراولة الصينية إلى أن الواردات من مصر أصبحت تمثل الجزء الأكبر من واردات الصين من الفراولة المجمدة و أن الطلب الصيني يرتبط بدرجة كبيرة بإحتياجات صناعة الأغذية التي تستخدم الفاكهة المجمدة كمادة خام.
وهنا يجب أن نتوقف قليلاً .. فالصين لا تستورد الفراولة المصرية فقط لكي يأكلها المستهلك كما هي وإنما تدخلها في صناعات غذائية أخرى وهذه هي النقلة التي نحتاج إليها في مفهوم التصدير " لا نريد أن نصدر المحصول فقط بل نريد أن نصدر "القيمة "
فمصر دولة زراعية ذات تنوع كبير في الإنتاج لكن تصدير المحصول في صورته الأولية لا يجب أن يكون هو نهاية المطاف فالفرصة الأكبر تكمن في الإنتقال من تصدير المنتج الزراعي إلى تصدير المنتج الغذائي المصنع, فالتمر يمكن أن يتحول إلى معجون ومسحوق ودبس وحشوات ومكونات للمخبوزات والفراولة يمكن أن تتحول إلى مربى وحشوات ومركزات ومساحيق ومكونات للصناعات الغذائية والبرتقال يمكن أن يتحول إلى عصائر ومركزات وزيوت وقشور ذات قيمة اقتصادية والمانجو والجوافة والرمان وغيرها يمكن أن تدخل في صناعات التجفيف والتجميد والعصائر والمركزات والمنتجات الوظيفية بل إن مخلفات التصنيع الزراعي نفسها يمكن أن تتحول إلى مصادر لمركبات ذات قيمة مثل الألياف الغذائية والبكتين والمركبات الحيوية.
-----------------------------
باحث – مركز البحوث الزراعية – معهد تكنولوجيا الأغذية - الأسكندرية

