الأرض
موقع الأرض

متبقيات المبيدات.. تفاصيل صغيرة تكلف الاقتصاد ملايين الدولارات

م. ياسين حمدي
-

خلال جلسة نقاش بين مجموعة من الأصدقاء، كان أحدهم يؤكد بثقة أن معظم الزيوت النباتية، بما فيها زيت الزيتون، تحتوي على متبقيات من المبيدات والملوثات، وأن أفضل حل هو الاعتماد على المنتجات العضوية الخالية من اثار المبيدات لضمان السلامة.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذه الصورة المتداولة، فالعالم الزراعي والغذائي اليوم يعتمد على أنظمة رقابية دقيقة تراقب ما يعرف بـ"متبقيات المبيدات"، وهي من أهم المؤشرات التي تحدد صلاحية المنتجات الغذائية للاستهلاك المحلي أو التصدير إلى الأسواق العالمية.

ما المقصود بمتبقيات المبيدات؟
عند استخدام المبيدات الزراعية لمكافحة الآفات والأمراض، قد تبقى آثار ضئيلة جدًا منها على المحاصيل بعد الحصاد، وتعرف هذه الآثار باسم "متبقيات المبيدات".
وجود هذه المتبقيات لا يعني بالضرورة أن المنتج غير آمن، فالمهم هو أن تكون ضمن الحدود المسموح بها عالميًا، وهي حدود تحددها جهات رقابية متخصصة بناءً على دراسات علمية دقيقة تضمن سلامة المستهلك.

لماذا تمثل متبقيات المبيدات قضية مهمة؟
لا تقتصر أهمية الالتزام بالحدود المسموح بها على حماية المستهلك فقط، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي والتجاري.
ففي الأسواق العالمية، تخضع الشحنات الزراعية والغذائية لفحوصات صارمة عند التصدير. وإذا أظهرت التحاليل وجود متبقيات مبيدات أعلى من الحدود المعتمدة، قد يتم رفض الشحنة بالكامل أو إعادتها إلى بلد المنشأ.
وهنا تبدأ الخسائر، ليس فقط للمزارع أو المصنع، بل للاقتصاد الوطني أيضًا، حيث يؤدي رفض الشحنات إلى خسارة أسواق تصديرية مهمة وتراجع ثقة المستوردين في المنتجات الوطنية.

كيف تصل المبيدات إلى الزيوت؟
يعتقد البعض أن جميع المبيدات المستخدمة في الزراعة تنتقل تلقائيًا إلى الزيت النهائي، إلا أن الواقع مختلف.
فالمبيدات تختلف في خصائصها الكيميائية؛ فبعضها يذوب في الماء ولا ينتقل إلى الزيت، بينما قد تنتقل أنواع أخرى بنسب محدودة للغاية. كما أن عمليات الغسل والتنظيف والعصر والتحلل الطبيعي للمبيد تسهم في خفض هذه النسب بشكل كبير.
ولهذا تخضع الزيوت النباتية، بما فيها زيت الزيتون، لتحاليل مخبرية متخصصة للتأكد من مطابقتها للمعايير المحلية والعالمية.

فترة الأمان.. خط الدفاع الأول
من أهم المصطلحات التي يجب أن يعرفها المزارعون ما يسمى " فترة ما قبل الحصاد ".
وهي المدة الزمنية التي يجب انتظارها بين آخر عملية رش للمبيد وموعد جمع المحصول. وخلال هذه الفترة يتحلل المبيد تدريجيًا حتى يصل إلى مستويات آمنة.
الالتزام بهذه الفترة يعد أحد أهم عوامل نجاح الصادرات الزراعية، بينما يؤدي تجاهلها إلى ارتفاع متبقيات المبيدات وزيادة احتمالات رفض المنتجات في الأسواق الخارجية.

التصدير يبدأ من المزرعة
جودة المنتج لا تبدأ داخل المصنع، بل من المزرعة نفسها. فاختيار المبيدات الموصى بها، والالتزام بالجرعات المحددة، واحترام فترات الأمان، كلها عوامل تساهم في إنتاج محصول قادر على اجتياز الفحوصات الدولية.
كما أن برامج التتبع والرقابة الحديثة أصبحت عنصرًا أساسيًا في سلاسل الإمداد الغذائية، خاصة في المنتجات ذات القيمة العالية مثل زيت الزيتون والخضروات والفواكه.

زيت الزيتون تحت رقابة مشددة
يعد زيت الزيتون من المنتجات التي تخضع لرقابة واسعة في الأسواق العالمية، خصوصًا مع تزايد الطلب عليه بسبب فوائده الصحية المعروفة.
وتؤكد الجهات المختصة أن الزيوت المطروحة في الأسواق النظامية تمر بسلسلة من الاختبارات للتحقق من مطابقتها للمواصفات القياسية، بما في ذلك فحص متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة.
أما الاعتقاد بأن "العصرة الثانية" أكثر أمانًا من "العصرة الأولى"، فلا يستند إلى أساس علمي، إذ إن زيت الزيتون البكر الممتاز الناتج من العصرة الأولى هو الأعلى جودة والأكثر قيمة غذائية.

الاقتصاد يستفيد من الالتزام
في النهاية، لا يعد ملف متبقيات المبيدات قضية فنية تخص المختبرات فقط، بل هو عامل اقتصادي مؤثر في قدرة الدول على المنافسة وزيادة صادراتها الزراعية والغذائية.
فكلما ارتفع مستوى الالتزام بالممارسات الزراعية السليمة، ازدادت فرص وصول المنتجات إلى الأسواق العالمية، وتحسنت سمعة المنتج الوطني، وارتفعت العوائد الاقتصادية، بينما قد تؤدي المخالفات البسيطة إلى خسائر كبيرة وفرص تصديرية مهدرة.

*خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الاسكندرية