زيت الزيتون تحت المجهر.. كيف تحمي نفسك من الغش وتضمن جودة ما تشتريه؟

في كل مرة يضع فيها المستهلك زجاجة زيت زيتون في سلة التسوق، يتبادر إلى ذهنه سؤال مشروع: هل ما أشتريه هو فعلاً زيت زيتون أصلي يستحق السعر الذي أدفعه، أم أنني أقع ضحية لمنتج مغشوش؟
هذا التساؤل ازداد حضوراً في السنوات الأخيرة مع الارتفاع الكبير في أسعار زيت الزيتون عالمياً، وتداول العديد من التقارير التي تتحدث عن ممارسات الغش والتلاعب في بعض المنتجات المعروضة بالأسواق. وبين حرص المستهلك على الحصول على غذاء صحي، ورغبته في حماية أمواله من الخداع، تبرز الحاجة إلى فهم حقيقة هذه المشكلة وأبعادها.
لماذا يحظى زيت الزيتون بهذه المكانة؟
يعد زيت الزيتون من أقدم الزيوت الطبيعية التي عرفها الإنسان، ويرتبط منذ آلاف السنين بالنظام الغذائي لشعوب حوض البحر الأبيض المتوسط. كما اكتسب شهرة واسعة بفضل قيمته الغذائية ومحتواه من المركبات الطبيعية التي جعلته خياراً مفضلاً لدى الكثير من العائلات.
وتكمن خصوصية زيت الزيتون البكر في أنه يُستخلص من ثمار الزيتون بطرق طبيعية تعتمد على العصر والفرز دون الحاجة إلى عمليات كيميائية معقدة، وهو ما يمنحه خصائصه المميزة وقيمته المرتفعة مقارنة بالعديد من الزيوت الأخرى.
لماذا أصبح زيت الزيتون هدفاً للغش؟
كلما ارتفعت قيمة المنتج وزاد الطلب عليه، ازدادت محاولات استغلاله لتحقيق أرباح غير مشروعة. وهذا ما حدث مع زيت الزيتون، حيث ساهمت عدة عوامل في زيادة فرص الغش، من أبرزها:
• الارتفاع الكبير في الأسعار العالمية.
• تراجع الإنتاج في بعض المواسم نتيجة الظروف المناخية.
• زيادة الإقبال على استهلاك زيت الزيتون حول العالم.
• الفارق السعري الكبير بينه وبين بعض الزيوت النباتية الأرخص.
هذه العوامل جعلت بعض ضعاف النفوس ينظرون إلى الغش باعتباره وسيلة سريعة لتحقيق مكاسب مالية على حساب المستهلك.
ما أشهر أساليب الغش؟
تتنوع طرق التلاعب بزيت الزيتون، إلا أن أكثرها شيوعاً يتمثل في خلطه بزيوت نباتية أقل تكلفة مثل:
• زيت الصويا.
• زيت الذرة.
• زيت النخيل.
• بعض الزيوت النباتية المكررة الأخرى.
وقد تكون نسبة الخلط محدودة أحياناً، أو مرتفعة بشكل كبير في بعض الحالات، ما يؤدي إلى انخفاض جودة المنتج وفقدانه جزءاً من خصائصه الغذائية.
كما يلجأ بعض المحتالين إلى التلاعب بالمظهر الخارجي للزيت، من خلال استخدام مواد أو مستخلصات تمنحه لوناً قريباً من اللون الذي يتوقعه المستهلك، بهدف إيهامه بأنه يشتري زيت زيتون عالي الجودة.
كيف يؤثر الغش على المستهلك؟
لا تقتصر أضرار الغش على الخسارة المالية فقط، بل تمتد لتشمل جوانب صحية مهمة.
ففي الحالات البسيطة، يحصل المستهلك على منتج أقل قيمة غذائية مما يعتقد. أما في الحالات الأكثر خطورة، فقد يؤدي استخدام مكونات أو إضافات غير مناسبة إلى مشكلات صحية متفاوتة الشدة.
ولعل أشهر الأمثلة التاريخية على مخاطر الغش الغذائي ما عُرف بـ"متلازمة الزيت السام" في إسبانيا عام 1981، حين تسبب زيت ملوث ومغشوش في أزمة صحية واسعة أصابت آلاف الأشخاص وخلفت آثاراً خطيرة استمرت لسنوات. وقد أكدت تلك الحادثة أن الغش الغذائي قد يتحول من مجرد مخالفة تجارية إلى تهديد حقيقي للصحة العامة.
هل يمكن للمستهلك اكتشاف الزيت المغشوش في المنزل؟
كثيراً ما تنتشر نصائح تتحدث عن إمكانية كشف الغش من خلال لون الزيت أو مذاقه أو وضعه في الثلاجة، إلا أن هذه الطرق لا توفر دليلاً علمياً قاطعاً على أصالة المنتج.
فالتأكد من سلامة الزيت وهويته الحقيقية يتطلب إجراء تحاليل مخبرية متخصصة تستطيع الكشف عن تركيبته ومكوناته ونسب الأحماض الدهنية الموجودة فيه.
وقد يلاحظ المستهلك أحياناً اختلافات واضحة في الرائحة أو الطعم عندما تكون نسبة الغش كبيرة، لكن الاعتماد على الفحص المنزلي وحده لا يكفي للحكم على جودة الزيت أو أصالته.
كيف يحمي المستهلك نفسه؟
رغم صعوبة كشف الغش بالطرق المنزلية، يمكن للمستهلك تقليل المخاطر من خلال بعض الممارسات المهمة:
• الشراء من مصادر موثوقة ومعروفة.
• التأكد من وجود البيانات الإلزامية على العبوة.
• تجنب العروض التي تبدو أسعارها منخفضة بشكل غير منطقي.
• اختيار المنتجات التابعة لشركات تتمتع بسمعة جيدة وتخضع لرقابة منتظمة.
• الاحتفاظ بالفاتورة وإبلاغ الجهات المختصة عند الاشتباه بوجود مخالفة.
معركة مستمرة لحماية المستهلك
تعمل الجهات الرقابية والمختبرات المتخصصة حول العالم باستمرار على تطوير تقنيات أكثر دقة للكشف عن الغش الغذائي، في محاولة لمواكبة الأساليب الحديثة التي يستخدمها المحتالون.
ومع تطور أدوات الرقابة والتحليل، تزداد فرص حماية المستهلك وضمان وصول منتجات مطابقة للمواصفات إلى الأسواق.
الأمانة قبل الرقابة
تبقى الأنظمة واللوائح والاختبارات المخبرية أدوات مهمة للحد من الغش، لكنها ليست بديلاً عن الأمانة المهنية والضمير الأخلاقي. فالغش في زيت الزيتون لا يقتصر على التلاعب بمنتج غذائي، بل يمس صحة الإنسان وثقته وحقه في الحصول على غذاء آمن وعادل.
ولهذا فإن التاجر الأمين لا ينظر إلى المنتج على أنه وسيلة للربح فقط، بل يعتبره مسؤولية وأمانة يجب الحفاظ عليها، لأن ثقة المستهلك تُبنى على الصدق، وتُفقد بسبب عملية غش واحدة.
*خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الإسكندرية

