المخبوزات الوظيفية بين التغذية والابتكار

الغذاء الوظيفي أو الصحي (Food Functional) هو غذاء يشبه الغذاء العادي الذي نتناوله كجزء من الوجبة المعتادة علاوة على إنه يقدم بعض الفوائد الفسيولوجية و /أو يقلل من خطورة الأمراض المزمنة بجانب فوائده الأساسية (Health Canada, 1997).
ويمكن القول بأن الأغذية الوظيفية هي تلك الأغذية التي يؤدي تناولها الي تحسين الصحة العامة للإنسان أما من خلال الوقاية من الأمراض المختلفة أو المساعدة على الشفاء منها وذلك من خلال تحسين وظائف أجهزة الجسم المختلفة وتعزيز مناعة الجسم ويتم إنتاجها بإضافة بعض العناصر الغذائية الي غذاء موجود فعلا ووضعها في صورة جذابة.
لم تعد المخبوزات في الوقت الحاضر مجرد أغذية أساسية تمد الجسم بالطاقة وتُسهم في الإحساس بالشبع، بل أصبحت مجالًا واسعًا للبحث والتطوير بهدف إنتاج منتجات تجمع بين الجودة الحسية والقيمة الغذائية والفوائد الصحية المحتملة. ومن هنا ظهر مفهوم المخبوزات الوظيفية، الذي يمثل أحد الاتجاهات الحديثة في علوم وتكنولوجيا الأغذية.
وتحظى المخبوزات الوظيفية باهتمام متزايد نتيجة التغير في اهتمامات المستهلكين وارتفاع الوعي بالعلاقة بين الغذاء والصحة، إلى جانب الحاجة إلى تطوير أغذية أكثر تنوعًا وقيمة غذائية، والاستفادة من مصادر نباتية ومحاصيل محلية ومكونات طبيعية يمكن دمجها في المنتجات المخبوزة.
ما المقصود بالمخبوزات الوظيفية؟
يقصد بالمخبوزات الوظيفية المنتجات التي يتم تطويرها بحيث توفر، إلى جانب قيمتها الغذائية الأساسية، مكونات غذائية أو مركبات حيوية قد تسهم في دعم بعض الوظائف الفسيولوجية أو تعزيز جودة النظام الغذائي. وتشمل هذه المنتجات أنواعًا مختلفة من الخبز والكعك والبسكويت والمعجنات وغيرها.
ولا يعني مفهوم "وظيفي" بالضرورة أن المنتج يعالج مرضًا أو يحل محل الدواء، وإنما يشير إلى إمكانية تعزيز القيمة الغذائية للمنتج وإضافة خصائص غذائية مرغوبة من خلال اختيار المواد الخام والمكونات المناسبة وطرق التصنيع الملائمة.
لماذا نهتم بالمخبوزات الوظيفية؟
يحتل الخبز والمخبوزات مكانة مهمة ومحببة في النظام الغذائي لدى كثير من المجتمعات، ولذلك فإن تحسين تركيب هذه المنتجات قد يمثل وسيلة عملية لزيادة الحصول على بعض العناصر الغذائية المهمة بصورة منتظمة في الغذاء.
ويمكن أن تستهدف المخبوزات الوظيفية تحسين محتواها من الألياف الغذائية والبروتين وبعض الفيتامينات والمعادن والمركبات المضادة للأكسدة، إلى جانب تطوير منتجات أكثر ملاءمة لاحتياجات فئات مختلفة من المستهلكين مثل الفئات الخاصة (الأطفال، المراهقين، المسنين، النباتين، الرياضيين و ......) أو الفئات الحساسة (مثل مرضي البدانة والسكري والقلب وارتفاع الكوليسترول وحساسية الجلوتين و.......).
كما أن إدخال مكونات وظيفية في المخبوزات يفتح المجال للاستفادة من محاصيل ومصادر غذائية متنوعة، بدلًا من الاعتماد الكامل على الدقيق التقليدي وحده.
أهم المكونات المستخدمة في تطوير المخبوزات الوظيفية: -
تتعدد المكونات التي يمكن استخدامها في هذا المجال، ويعتمد اختيارها على الهدف من تطوير المنتج وخصائصها الغذائية والتكنولوجية.
1-الحبوب الكاملة.
تُعد الحبوب الكاملة (مثل القمح، الشعير‘الذرة، الدخن، الشوفان، الكينوا......) من أهم المكونات المرتبطة بتطوير المخبوزات ذات القيمة الغذائية المرتفعة، لاحتوائها على مكونات الحبة المختلفة بما فيها النخالة والجنين، وبالتالي توفير كميات أكبر من الألياف وبعض العناصر الغذائية مقارنة بالمنتجات المصنوعة من الدقيق المكرر.
2-البقوليات.
تمثل البقوليات مثل الفاصوليا والعدس والحمص والبازلاء مصادر مهمة للبروتين النباتي والألياف والمعادن والفيتامينات، ويمكن الاستفادة منها في تطوير أنواع مختلفة من المخبوزات. إلا أن استخدامها يتطلب دراسة تأثيرها في لون المنتج ونكهته وقوامه وحجم الرغيف وقبول المستهلك له.
وتُعد الفاصوليا البيضاء، على سبيل المثال، من المكونات الواعدة في هذا المجال بسبب قيمتها الغذائية وإمكانية استخدامها في صورة دقيق أو مكونات معالجة تدخل في بعض التركيبات المخبوزة.
3-البذور والمكسرات.
يمكن استخدام بذور مثل الفول السوداني والكتان والسمسم والشيا ودوار الشمس، بالإضافة إلى بعض المكسرات، لرفع القيمة الغذائية للمخبوزات، حيث توفر هذه المكونات كميات من البروتين والألياف وبعض المركبات الحيوية والدهون غير المشبعة، بحسب نوع المكون ونسبته في المنتج.
4-الألياف الغذائية.
تُعد الألياف من أهم المكونات التي يركز عليها تطوير المخبوزات الوظيفية، ويمكن الحصول عليها من الحبوب الكاملة والنخالة والبقوليات وبعض الفواكه والخضروات ومصادر نباتية أخرى. ويحتاج استخدام الألياف إلى ضبط مستويات الإضافة بعناية، لأن زيادتها قد تؤثر في قدرة العجين على الاحتفاظ بالماء وفي خصائصه الريولوجية، كما قد تؤثر في الحجم والحجم النوعي والقوام والقبول الحسي.
5-المكونات الغنية بالمركبات المضادة للأكسدة.
توجد العديد من المصادر النباتية التي تحتوي على مركبات ذات نشاط مضاد للأكسدة، ويمكن بحث إمكانية استخدامها في المنتجات المخبوزة بهدف رفع محتوى المنتج من هذه المركبات. وقد تشمل هذه المصادر بعض الفواكه والخضروات والأعشاب والتوابل والمنتجات النباتية الثانوية.
6- بدائل السكر
يُعد استبدال السكر أو خفضه في المخبوزات الوظيفية من الاتجاهات المهمة في بحوث تكنولوجيا الخبز والعجائن، خاصة مع التوجه نحو تطوير منتجات تجمع بين القيمة الغذائية الأفضل والجودة الحسية المقبولة. ولا يقتصر دور السكر في المخبوزات على إكسابها المذاق الحلو، بل يشارك أيضًا في اللون، والقوام، والاحتفاظ بالرطوبة، والبنية، والتفاعل أثناء الخَبز؛ لذلك فإن استبداله يمثل تحديًا تكنولوجيًا يحتاج إلى دراسة دقيقة. ومن أهم بدائل السكر ذات المصدر الطبيعي المستخدمة الفركتوز (سكر الفواكه) أو الإستيفيوسيد (مستخلص من أوراق نبات الإستيفيا) أو الجليسرهيزين (مستخلص من جذور العرق سوس) .........وغيرها. أو السكريات الطبيعية ذات القيمة المضافة مثل بعض مركزات أو مساحيق الفواكه والتمر، والتي يمكن استخدامها في بعض المنتجات بهدف توفير الحلاوة إلى جانب مكونات غذائية أخرى مثل الألياف والمركبات النباتية ومضادات الأكسدة. ويُنظر إليها بصورة خاصة عند تطوير مخبوزات وظيفية تعتمد على مكونات طبيعية.
7- بدائل الدهون
وهي مكونات تُستخدم كليًا أو جزئيًا بدلًا من الدهون التقليدية في المخبوزات، بهدف تقليل محتوى الدهون أو الطاقة، أو تحسين التركيب الغذائي، مع محاولة المحافظة على الخصائص التي يؤديها الدهن في المنتج، مثل الطراوة، والنعومة، والاحتفاظ بالرطوبة، وتحسين القوام والنكهة والمظهر. ومن أهم البدائل المستخدمة أو الواعدة إستخدام البيتاجلوكان أو الأنيولين أوالجلاكتومنانGalactomannan ، وغيرها أو إستخدام مشتقات النشا ( مثل البولي دكستروز أو هلام المالتودكسترين) وغيرها. أوإستخدام الزيوت النباتية ولاسيما ذات الفوائد العلاجية مثل :- زيت الذرة - زيت الزيتون - زيت القرع- زيت الكتان ( الزيت الحار ) - زيت الخروع - زيت حبة البركة. أو إستخدام مهروس الفواكه والخضروات مثل التفاح والموز والقرع والبطاطا الحلوة، ويمكن استخدامها في بعض أنواع الكيك والبسكويت والمخبوزات الطرية، حيث تساعد على الاحتفاظ بالرطوبة وتوفير قوام مناسب، إلى جانب إضافة بعض المركبات الغذائية.
التحدي الحقيقي: كيف نحافظ على جودة الخبز؟
تطوير مخبوز وظيفي لا يعتمد فقط على زيادة قيمة غذائية معينة، وإنما يتطلب تحقيق توازن بين الفائدة الغذائية وجودة المنتج.
فعند إضافة مكون غني بالألياف أو البروتين أو المركبات النباتية إلى العجين، قد يحدث تغير في امتصاص الماء، وتكوين شبكة الجلوتين، وخصائص العجين الريولوجية، والقدرة على الاحتفاظ بالغازات. وقد ينتج عن ذلك تغير في حجم الرغيف أو مسامية اللب أو القوام أو اللون أو النكهة.
ولهذا فإن أبحاث المخبوزات الوظيفية لا تقتصر على التحليل الكيميائي، بل تشمل كذلك دراسة خصائص العجين، والخواص الفيزيائية، وتحليل القوام، واللون، والحجم، بالإضافة إلى التقييم الحسي وقبول المستهلك.
دور تكنولوجيا الغذاء في تطوير المخبوزات الوظيفية
تلعب تكنولوجيا التصنيع دورًا أساسيًا في نجاح المنتجات الوظيفية. فالمعالجة المناسبة للمكونات قد تساعد على تحسين خصائصها وتقليل بعض التأثيرات غير المرغوبة التي قد تظهر عند إضافتها إلى العجين.
كما يمكن الإستفادة من تقنيات مثل التخمير التقليدي والمخمّرات الطبيعية والمعالجات الإنزيمية وغيرها من الأساليب الحديثة بهدف تحسين جودة المنتج النهائي. ويتيح البحث العلمي مقارنة طرق التصنيع المختلفة وتحديد أفضل الظروف التي تحقق أعلى قيمة غذائية مع الحفاظ على صفات المخبوزات المقبولة لدى المستهلك.
المخبوزات الوظيفية وبدائل القمح
يمثل استخدام بدائل القمح أحد المجالات المهمة المرتبطة بالمخبوزات الوظيفية، خاصة مع تزايد الاهتمام بالمحاصيل المحلية والمصادر النباتية المتنوعة.
ويمكن استخدام بعض الحبوب والبذور والبقوليات كمكونات جزئية في تركيبات المخبوزات، بهدف التنويع الغذائي وتحسين القيمة الغذائية والاستفادة من الموارد المحلية. كما يمثل تطوير المخبوزات الخالية من الجلوتين مجالًا بحثيًا مهمًا يتطلب معالجة خاصة للتحديات المتعلقة بالقوام والحجم والخصائص الحسية، نظرًا للدور التكنولوجي المهم للجلوتين في صناعة الخبز.
الاستدامة ودور المكونات المحلية
لا تقتصر أهمية المخبوزات الوظيفية على الجانب الصحي، بل تمتد إلى الجانب البيئي والاقتصادي. إذ يمكن أن يساهم استخدام المحاصيل المحلية والمكونات الأقل استغلالًا والمنتجات الثانوية للصناعات الغذائية في تحقيق قيمة مضافة وتقليل الفاقد والاستفادة بصورة أفضل من الموارد الزراعية.
ومن هنا يمكن أن تتلاقى المخبوزات الوظيفية مع مفهوم الاستدامة، من خلال تطوير منتجات تعتمد على موارد متاحة محليًا وتقلل من هدر المكونات الغذائية.
مستقبل المخبوزات الوظيفية
من المتوقع أن يستمر الاهتمام بالمخبوزات الوظيفية مع تطور علوم التغذية وتكنولوجيا الأغذية وزيادة اهتمام المستهلكين بجودة الغذاء. وقد تتجه الأبحاث المستقبلية إلى تطوير منتجات أكثر تخصصًا، تعتمد على احتياجات فئات معينة من المستهلكين، مع التركيز على تحسين القيمة الغذائية دون التضحية بالطعم والقوام والمظهر.
كما يتوقع أن يتزايد توظيف التقنيات الحديثة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في تصميم التركيبات الغذائية ودراسة العلاقة بين مكونات العجين وخصائص المنتج النهائي، بما يساعد على الوصول إلى تركيبات أكثر دقة وكفاءة.
وستظل أحد أهم التحديات المستقبلية هي تحقيق المعادلة الصعبة بين القيمة الغذائية المرتفعة والجودة التكنولوجية والقبول الحسي والتكلفة المناسبة والاستدامة.
خاتمة
تمثل المخبوزات الوظيفية اتجاهًا مهمًا في مستقبل صناعة المخبوزات، لأنها تفتح المجال لتحويل المنتجات الغذائية الشائعة إلى منتجات أكثر تنوعًا في قيمتها الغذائية، مع إمكانية الاستفادة من الحبوب الكاملة والبقوليات والبذور ومصادر نباتية أخرى. غير أن نجاح هذه المنتجات لا يعتمد على إضافة مكون صحي فحسب، وإنما يحتاج إلى دراسة علمية متكاملة تبدأ من اختيار المادة الخام، وتمر بخصائص العجين وعمليات التصنيع، وتنتهي بتقييم القيمة الغذائية والجودة الفيزيائية والحسية وقبول المستهلك.
وهكذا أصبحت المخبوزات الوظيفية نقطة التقاء بين علم الحبوب، وتكنولوجيا العجين، والتغذية، والابتكار الغذائي، لتفتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين نحو إنتاج مخبوزات تجمع بين الجودة والطعم والقيمة الغذائية وتستجيب لاحتياجات المستهلك الحديث.
*رئيس بحوث بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية - مركز البحوث الزراعية

