البيض.. من غذاء متكامل إلى صناعة واعدة في الاقتصاد المصري
القيمة الغذائية وسلامة البيض والتصنيع الحديث.. من البيضة الطازجة إلى البيض المبستر والمجفف
يُعد البيض من الأغذية المهمة في النظام الغذائي، لما يتميز به من قيمة غذائية مرتفعة وتعدد استخداماته. فهو مصدر للبروتين عالي الجودة، ويحتوي على مجموعة من الفيتامينات والمعادن والعناصر الغذائية المهمة، إلى جانب خصائص وظيفية جعلته من أهم الخامات المستخدمة في الصناعات الغذائية.
البيض.. قيمة غذائية متكاملة
يتميز البيض باحتوائه على بروتين عالي الجودة يوفر الأحماض الأمينية الأساسية اللازمة لبناء وتجديد الأنسجة، كما يحتوي على فيتامينات مهمة، منها A و D وE و B6 وB12، وعناصر معدنية مثل الحديد والزنك والسيلينيوم.
ويتميز صفار البيض باحتوائه على الفوسفوليبيدات، ومن أهمها الليسيثين، بينما يمثل بياض البيض مصدرًا غنيًا بالبروتينات ذات الخصائص الوظيفية المهمة.
البيض والكوليسترول.. بين الحقيقة والمفهوم الشائع
ارتبط تناول البيض لفترة طويلة بمخاوف تتعلق بالكوليسترول، نظرًا لاحتواء صفاره على الكوليسترول الغذائي. إلا أن تأثير الغذاء في مستويات الكوليسترول في الدم لا يمكن تقييمه من خلال عنصر غذائي واحد بمعزل عن النظام الغذائي ككل.
وتتأثر مستويات الدهون في الدم وصحة القلب بمجموعة من العوامل، من بينها نوعية الدهون في الغذاء، وخاصة الدهون المشبعة، والنمط الغذائي العام والحالة الصحية للفرد.
ومن ثم يمكن إدراج البيض ضمن نظام غذائي متوازن، مع مراعاة التوصيات الطبية الخاصة بالأشخاص الذين لديهم حالات صحية تستدعي نظامًا غذائيًا محددًا.
البيض في الصناعات الغذائية
لا ترجع أهمية البيض للصناعة إلى قيمته الغذائية فقط، وإنما إلى خصائصه الوظيفية المتعددة. فتساعد بروتيناته على تكوين البنية والقوام، كما تسهم في تكوين الرغوة واحتجاز الهواء، بينما يؤدي صفار البيض دورًا مهمًا في الاستحلاب.
ولهذا يدخل البيض في صناعة المخبوزات والكيك والحلويات والمايونيز والصلصات والمنتجات المجمدة وشبه الجاهزة وخلطات المخبوزات والعديد من الأغذية المصنعة.
ومع تطور تكنولوجيا التصنيع، أصبح بالإمكان استخدام البيض في صور متعددة، منها البيض السائل، والصفار والبياض، والبيض المبستر، ومساحيق البيض.
البيض الطازج.. الحفاظ على الجودة والسلامة
تبدأ المحافظة على جودة البيض منذ المزرعة، من خلال صحة القطيع ونظافة أماكن الإنتاج وجمع البيض وتداوله بصورة سليمة، ثم تستمر خلال الفحص والفرز والتدريج والتعبئة والتخزين والنقل.
وتعد قشرة البيضة وطبقة الكيوتيكل الطبيعية خط دفاع مهمًا أمام وصول الملوثات إلى داخل البيضة؛ لذلك فإن الحفاظ على سلامة القشرة وجودتها يمثل عاملًا أساسيًا في الحفاظ على جودة البيض.
وتختلف طرق التعامل مع البيض من دولة إلى أخرى وفق التشريعات؛ ففي بعض الأنظمة يتم غسل وتطهير البيض تجاريًا، بينما تعتمد أنظمة أخرى على المحافظة على طبقة الحماية الطبيعية للقشرة.
وفي الأنظمة التي تطبق الغسيل، يتم ذلك آليًا وتحت ظروف محددة، يعقبه التطهير والتجفيف والفحص والتدريج والتعبئة.
والهدف من هذه المعاملات هو خفض الحمل الميكروبي والمحافظة على جودة البيضة، وليس تعقيمها بالكامل أو ضمان خلو محتواها الداخلي من الميكروبات.
الأشعة فوق البنفسجية UV-C.. خفض الحمل الميكروبي على القشرة
تُستخدم الأشعة فوق البنفسجية، وخاصة UV-C، في بعض تطبيقات تجهيز البيض للمساعدة في خفض الحمل الميكروبي على سطح القشرة.
وتعمل الأشعة فوق البنفسجية على إحداث تأثيرات في المادة الوراثية للكائنات الدقيقة، مما يحد من قدرتها على التكاثر. ويمكن دمج وحدات UV-C في خطوط تجهيز البيض، مع ضرورة تصميم النظام بحيث يصل الإشعاع إلى أكبر مساحة ممكنة من سطح القشرة.
ومن مزايا هذه التقنية أنها لا تضيف مادة كيميائية إلى سطح البيضة، إلا أن كفاءتها تعتمد على جرعة الأشعة وزمن التعرض ونظافة القشرة وتصميم وحدة المعالجة.
وتظل UV-C معاملة سطحية؛ ولذلك لا يمكن اعتبارها وسيلة لتعقيم محتوى البيضة الداخلي.
الأوزون.. غاز حديث لتطهير سطح قشرة البيض
يُعد غاز الأوزون (O₃) من التقنيات الحديثة ذات التوجه البيئي في مجال تجهيز الأغذية، لما يتميز به من قدرة أكسدة قوية تساعد على خفض أعداد العديد من الكائنات الدقيقة.
وفي مجال البيض، يمكن استخدام غاز الأوزون مباشرة في معالجة سطح قشرة البيض بهدف خفض الحمل الميكروبي. ويؤدي الأوزون إلى إتلاف أغشية الخلايا والبروتينات والمكونات الحيوية للكائنات الدقيقة، مما يساعد على الحد من نموها.
ومن أهم مزاياه أنه يتحلل بعد المعالجة إلى الأكسجين، فلا يترك بقايا مطهرة تقليدية على سطح البيضة. وتعتمد كفاءة المعالجة على تركيز الأوزون وزمن التعرض وظروف المعالجة، مع ضرورة التحكم في تركيزه داخل بيئة العمل لحماية العاملين.
ويمثل الأوزون، إلى جانب UV-C، أحد الاتجاهات الحديثة لتطوير معاملات سطحية للبيض بهدف تحسين السلامة والمحافظة على الجودة.
من البيض الطازج إلى تصنيع منتجات البيض
عند توجيه البيض إلى التصنيع الغذائي، يتم كسره آليًا ثم يمكن فصل مكوناته إلى بيض كامل، وصفار، وبياض وفق طبيعة المنتج المطلوب.
وتبدأ بعد ذلك مراحل تصنيع منتجات البيض، وأهمها البسترة لإنتاج منتجات سائلة آمنة، أو التجفيف لإنتاج مساحيق البيض.
البيض المبستر.. صناعة غذائية قائمة في مصر
تعد بسترة البيض السائل من أهم تقنيات تصنيع منتجات البيض، وتهدف إلى خفض الميكروبات الممرضة باستخدام معاملة حرارية محسوبة، مع المحافظة قدر الإمكان على الخصائص الوظيفية للمنتج.
ويمكن إنتاج البيض الكامل المبستر، وصفار البيض المبستر، وبياض البيض المبستر.
وتتميز هذه المنتجات بسهولة التداول والضخ والخلط داخل المصانع، كما توفر خامة موحدة الجودة وتقلل من الحاجة إلى تداول البيض النيئ داخل خطوط الإنتاج.
وتستخدم منتجات البيض المبستر في المايونيز والصلصات والمخبوزات والحلويات والعديد من الصناعات الغذائية.
وتوجد في مصر صناعة قائمة لمنتجات البيض المبستر؛ فقد بدأت الشركة المصرية لمنتجات البيض المبستر EPEC الإنتاج عام 2006، وتنتج البيض الكامل والصفار والبياض المبستر المبرد والمجمد.
البيض المجفف.. قيمة مضافة وفرصة للتوسع
يمثل تجفيف البيض أحد أهم صور إضافة القيمة، حيث يتحول البيض السائل إلى مسحوق سهل النقل والتخزين والاستخدام.
ويمكن إنتاج مسحوق البيض الكامل، ومسحوق الصفار، ومسحوق البياض، وتستخدم هذه المنتجات في المخبوزات والحلويات وخلطات الأغذية والمنتجات سريعة التحضير وغيرها.
ويقلل التجفيف من محتوى الرطوبة، مما يزيد من ثبات المنتج ويجعله أكثر ملاءمة للتخزين والنقل لمسافات طويلة، كما يفتح المجال أمام تطوير صادرات منتجات البيض المصرية.
صناعة البيض في مصر بالأرقام
تشير أحدث البيانات المعلنة خلال عام 2026 إلى:
- أكثر من 16.5 مليار بيضة سنويًا.
- أكثر من 200 مليار جنيه استثمارات في قطاع الدواجن.
- 59 منشأة داجنة معزولة ومجهزة للتصدير.
- 9 ملايين بيضة مائدة صادرات منذ بداية عام 2026 وحتى وقت التصريح.
- 707 أطنان من البيض المبستر صادرات منذ بداية عام 2026 وحتى وقت التصريح.
- 3 أطنان من البيض المجفف صادرات منذ بداية عام 2026 وحتى وقت التصريح.
البيض.. من غذاء إلى صناعة ذات قيمة مضافة
يمثل البيض نموذجًا واضحًا للمنتج الذي يجمع بين القيمة الغذائية والأهمية الصناعية والاقتصادية.
فمن البيضة الطازجة التي تحتاج إلى التداول والحفظ السليمين، تبدأ سلسلة متكاملة من الفحص والفرز والتعبئة والحفظ، ثم يمكن توجيه جزء من الإنتاج إلى التصنيع لإنتاج البيض السائل المبستر والصفار والبياض، ثم مساحيق البيض المجففة.
ومع تطوير تقنيات المعالجة الحديثة مثل UV-C والأوزون، إلى جانب البسترة والتجفيف والتعبئة والتغليف، يمكن رفع كفاءة الاستفادة من الإنتاج وتقليل الفاقد وزيادة القيمة المضافة للبيض المصري.
وتبقى الفرصة الأكبر أمام صناعة البيض المصرية في الانتقال من التركيز على إنتاج البيضة الطازجة فقط إلى تطوير منظومة متكاملة لمنتجات البيض ذات القيمة المضافة، بما يدعم الأمن الغذائي والتصنيع والتصدير.
البيض.. غذاء اليوم وصناعة الغد.
* رئيس بحوث – قسم بحوث هندسة التصنيع وتعبئة وتغليف الأغذية
معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية – مركز البحوث الزراعية

