الأرض
موقع الأرض

دور البثق الحراري في تطوير أغذية مبتكرة قائمة علي الحبوب والبقول

د. ريهام سيد عبد السلام عيسي
-

شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بتطوير طرق تصنيع غذائي أكثر كفاءة، خاصةً مع تزايد الطلب على المنتجات الصحية مثل السناكس وحبوب الإفطار ومنتجات الحبوب والبقوليات سهلة الهضم، عالية الجودة، وآمنة الاستهلاك. ومن أبرز هذه التقنيات "البثق الحراري" التي تُعد تقنية من أهم التقنيات الحديثة في التصنيع الغذائي، لما تتميز به من كفاءة عالية في تحسين الخصائص الفيزيائية والتكنولوجية للمواد الخام. وقد حظيت الحبوب والبقول باهتمام متزايد في هذا المجال نظرًا لقيمتها الغذائية المرتفعة، واحتوائها على البروتينات، الألياف، والمركبات الحيوية الفعالة.

وتعتمد هذه التقنية على تعريض المواد الخام لدرجات حرارة مرتفعة وضغط عالٍ مع قوى احتكاك ميكانيكي ونسبة رطوبة معينة داخل جهاز واحد يُسمى الباثق أو الإكسترودر، مما يؤدي إلى طهي المادة وتشكيلها في وقت قصير جدًا، ثم خروجها من قالب معين حيث تتمدد نتيجة انخفاض الضغط لتكوين منتج خفيف وهش. وهكذا يتم تحويل المواد الغذائية الخام إلى منتجات ذات قوام جديد وصفات وظيفية محسّنة وذلك من خلال حدوث بعض التغييرات الفيزيائية والكيميائية الهامة في مكونات الغذاء. ويوجد منها أجهزة بثق أحادية الحلزون وثنائية الحلزون ويختلف كل نوع منها في كفاءة الخلط والمرونة في التشغيل والتطبيقات الصناعية.

استخدام الحبوب والبقول كمواد خام للبثق

تستخدم الحبوب مثل القمح والذرة والأرز كمصدر أساسي للنشا مسؤول عن التمدد و تكوين القوام الهش، بينما تُستخدم البقوليات مثل العدس والحمص وفول الصويا كمصدر للبروتين النباتي لزيادة القيمة الغذائية وارتفاع محتواها من البروتين والأحماض الأمينية. وغالبًا ما يتم خلط الحبوب التي تفتقر لبعض هذه الأحماض مع البقوليات لإنتاج منتجات متوازنة غذائيًا ومتكاملة بروتينًيا، مما يساهم في إنتاج أغذية وظيفية تلبي احتياجات المستهلكين، خاصة في ظل الاتجاه العالمي نحو الأنظمة الغذائية الصحية.

تأثير البثق الحراري على الخصائص الغذائية

تؤثر عملية البثق الحراري بشكل كبير على التركيب الغذائي للمواد الخام، حيث تؤدي إلى تحسين القابلية للهضم نتيجة تكسير النشا وحدوث الجلتنة، مما يسهل امتصاصه. مع زيادة التوافر الحيوي للبروتين بسبب تفكك الروابط البروتينية المعقدة وحدوث دنترة للبروتين، تقليل مضادات التغذية مثل الفيتات والتانينات ومثبطات التربسين، والتي تعيق امتصاص المعادن. بالاضافة إلي تحسين النشاط الحيوي للمركبات النباتية ومضادات الأكسدة. ومع ذلك، قد تؤدي درجات الحرارة العالية إلى فقد بعض الفيتامينات الحساسة للحرارة، مما يتطلب ضبط ظروف التشغيل.

التأثير على الخصائص التكنولوجية

تُحسن تقنية البثق الحراري من الخصائص الوظيفية للحبوب والبقول مثل التمدد الذي يعطي القوام الهش في السناكس، القدرة على الاحتفاظ بالماء، زيادة القابلية للذوبان، تحسين القوام والطعم، كما تؤدي نسب الخلط بين الحبوب والبقول إلى اختلافات ملحوظة في هذه الخصائص، حيث يقل التمدد عادةً مع زيادة نسبة البروتين من البقول.

أهم التطبيقات الصناعية

تُستخدم الحبوب والبقول المبثوقة في العديد من المنتجات، مثل الوجبات الخفيفة مثل السناكس، حبوب الإفطار، المكرونة، أغذية الأطفال سريعة التحضير، بدائل اللحوم النباتية والأعلاف الحيوانية. بالاضافة إلي إنتاج الأغذية الوظيفية والمدعمة بـالألياف الغذائية أو البروتينات أو الفيتامينات والمعادن أو المركبات الحيوية مما يعزز الفوائد الصحية للمنتج الغذائي. وتُعد هذه التطبيقات مجالًا واعدًا لتطوير منتجات صحية. وتمتاز هذه التقنية بسرعة الإنتاج، والكفاءة العالية، وتحسين الخصائص الحسية، وإمكانية التنوع في إنتاج أشكال متعددة، لكنها تعاني من ارتفاع تكلفة الأجهزة، صعوبة التحكم في القوام عند زيادة نسبة البقول والحاجة إلى خبرة فنية والتحكم الدقيق في ظروف التشغيل.

وتتجه الأبحاث الحديثة نحواستخدام تقنيات النانو لتحسين القيمة الغذائية، تطوير خلطات مثالية بين الحبوب والبقول، استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين ظروف التشغيل؛ الكشف المبكر عن العيوب؛ التنبؤ بجودة المنتج وتقليل الفاقد لتحقيق أفضل جودة غذائية ورفع كفاءة الإنتاج. لذا تمثل تقنية البثق الحراري أداة فعالة لتحويل الحبوب والبقول إلى منتجات غذائية ذات قيمة مضافة عالية. ومن خلال التحكم الدقيق في ظروف التشغيل ونسب الخلط، يمكن إنتاج أغذية وظيفية مبتكرة تلبي احتياجات السوق والمستهلكين. لذلك، فإن الاستثمار في هذا المجال يعد خطوة استراتيجية نحو تحقيق الأمن الغذائي وتحسين جودة الغذاء.

-----------------------

باحث- قسم بحوث تكنولوجيا المحاصيل- معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية- مركز البحوث الزراعية