الأرض
موقع الأرض

ياسين حمدي يكتب عن تأثير حرب إيران على مصر

م. ياسمين حمدي
-

بدأت الحديث مع أحد أعضاء الحزب الحاكم في الولايات المتحدة خلال لقاء عابر في إحدى الندوات السياسية بواشنطن. كنتُ، كشاب مصري يعيش في أمريكا، أتابع بقلق بالغ تصاعد التصريحات المتناقضة حول الحرب على إيران. سألته مباشرة عن سبب اندفاع الإدارة الأمريكية نحو هذا الصراع، فابتسم ابتسامة دبلوماسية، ثم قدم إجابات بدت لي أقرب إلى الشعارات منها إلى الحقائق. ومن هنا بدأ السؤال الحقيقي: هل ما يُقال هو السبب الفعلي للحرب، أم أن هناك أهدافاً أعمق تتجاوز الخطاب المعلن؟

هذا الحوار كان مدخلاً مناسباً للتأمل في حالة الارتباك التي يعيشها المحللون السياسيون أمام التناقضات الصارخة في تصريحات الإدارة الأمريكية. فالرئيس الأمريكي برّر الحرب بأن النظام الإيراني يقتل شعبه، متجاهلاً أن إسرائيل – باعترافه – قتلت عشرات الآلاف في غزة. ثم عاد ليقول إن الهدف هو منع إيران من امتلاك قنبلة نووية، رغم تصريحه السابق بأنه دمّر برنامجها النووي بالكامل قبل أشهر.

وفي الوقت نفسه، خرجت شخصيات أمريكية بارزة لتكشف هشاشة هذا الخطاب. فقد أوضحت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن، بعد حضورها إحاطة سرية، أن الإدارة لا تمتلك خطة واضحة للتعامل مع إيران، وأن الحرب بُنيت على معلومات غير دقيقة، دون وجود تهديد وشيك. أما زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر فوصفها بأنها "حرب اختيارية بلا استراتيجية".

لكن التاريخ - وهو معلم لا يخطئ - يقدم تفسيراً مختلفاً. ففي مقال للكاتب أحمد الجمال، أشار إلى واقعة مهمة حدثت في خمسينيات القرن الماضي: صحفي أمريكي نقل إلى قادة إسرائيل أن جمال عبد الناصر لا يفكر في حرب، وأن هدفه الوحيد هو بناء مصر. لكن الرد الإسرائيلي كان صادماً: "هذا أسوأ خبر سمعناه". فبعد فترة قصيرة شنت إسرائيل غارة على غزة، ثم جاءت حروب 1956 و1967، في إطار استراتيجية واضحة: منع أي دولة في الشرق الأوسط – باستثناء إسرائيل – من امتلاك فرصة حقيقية للبناء العلمي والاقتصادي.

السيناريو نفسه تكرر مع العراق، ثم مع إيران. فبحسب الوسيط العُماني، كانت المفاوضات بين واشنطن وطهران إيجابية، وأبدت إيران مرونة غير مسبوقة، لكن الحرب اندلعت قبل انتهاء المفاوضات. وهذا يكشف أن الهدف لم يكن البرنامج النووي بقدر ما كان إجهاض أي محاولة لامتلاك بنية علمية أو قدرة ردع مستقلة.

كيف ينعكس هذا على مصر؟

الاستقرار السياسي

الحروب الكبرى في المنطقة لا تبقى داخل حدودها. فكل صراع يرفع مستوى التوتر الإقليمي، ويزيد الضغوط على الدول المحورية مثل مصر. ومع اتساع نطاق الحرب على إيران، تتعرض المنطقة لعدة مخاطر

* ارتفاع احتمالات توسع الصراع ليشمل ممرات بحرية حيوية مثل البحر الأحمر.

* زيادة الضغوط على مصر في ملفات الطاقة والملاحة الدولية.

* اضطرار الدولة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية على حساب ملفات التنمية.

كل ذلك يخلق بيئة سياسية أكثر حساسية، ويضع القيادة المصرية أمام تحديات إضافية للحفاظ على الاستقرار الداخلي.

الأمن الغذائي المصري

الأمن الغذائي في مصر مرتبط بشكل مباشر باستقرار المنطقة، لأن مصر تعتمد على

* استيراد القمح والزيوت من أسواق عالمية تتأثر فوراً بأي حرب.

* ممرات الشحن الدولية التي قد تتعرض للتهديد أو الارتفاع الجنوني في تكاليف التأمين.

* أسعار الطاقة التي ترتفع مع كل صراع، ما يرفع تكلفة النقل والإنتاج الزراعي.

الحرب على إيران بما تحمله من احتمالات توسع قد تؤدي إلى

* ارتفاع أسعار القمح عالمياً.

* زيادة تكلفة الشحن عبر البحر الأحمر.

* ضغوط على احتياطي النقد الأجنبي.

* ارتفاع أسعار السلع الأساسية داخل مصر.

وبالتالي، فإن أي حرب في الشرق الأوسط ليست حدثاً بعيداً عن المواطن المصري، بل تمس حياته اليومية بشكل مباشر.

الخلاصة

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل امتداد لاستراتيجية قديمة تهدف إلى منع أي دولة في المنطقة من امتلاك قوة علمية أو اقتصادية مستقلة.

ومصر باعتبارها دولة مركزية تتأثر بهذه الاستراتيجية سواء من حيث الاستقرار السياسي أو الأمن الغذائي.

إن فهم هذه الخلفيات يساعدنا على إدراك أن ما يجري في المنطقة ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل حلقات في مشروع واحد يهدف إلى إبقاء الشرق الأوسط في حالة توتر دائم، ومنع دوله من تحقيق التنمية المستقلة.

* خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون

عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الإسكندرية