الأرض
موقع الأرض

الفسيخ حبيب المصريين.. قصة تراث وذكريات

بقلم: ياسين حمدي* -

نتذكر معا مشهد من فيلم عسل اسود لنعرف حجم الانقسام بالبيت المصري

في إحدى شقق القاهرة القديمة، جلس «مصري» – الشاب العائد من أمريكا بعد غياب طويل – أمام مائدة عامرة بألوان الربيع. اقترب صديقه «سعيد» وهو يحمل طبقاً ملفوفاً بعناية، وكأنه يحمل كنزاً فرعونياً.

قال سعيد بابتسامة ماكرة:

"جاهز للتجربة الحقيقية؟"

رفع مصري حاجبيه في قلق:

"إيه ده… ريحته عاملة زي…؟"

لم ينتظر سعيد تعليقاً، ووضع الطبق أمامه، تراجع مصري للخلف، ملوّحاً بيده في الهواء، وكأنه يحاول صدّ موجة عطرية غير مرئية.

لكن المفاجأة جاءت عندما تردد قليلاً، ثم مدّ يده، وقطع قطعة صغيرة، ووضعها في فمه.

تجمّد لثوانٍ… ثم اتسعت عيناه بدهشة:

"ياااه… ده طعمه حلو!"

ضحك سعيد بصوت عالٍ:

"أهو ده الفسيخ… يا تحبه يا تهرب منه!"

هذا المشهد يلخص تماماً الانقسام الأبدي بين المصريين: فريق يعشق الفسيخ عشقاً لا يُفسَّر، وفريق آخر لا يطيق حتى سماع اسمه.

*الفسيخ- اكتشاف فرعوني بالصدفة*

لم يكن الفسيخ مجرد أكلة موسمية، بل هو امتداد لعادة عمرها أكثر من 4 آلاف عام.

بدأت القصة في عصر مصر القديمة، تحديداً الأسرة الخامسة، حين كان النيل ينحسر في فصل الربيع «شمو». كانت الأسماك تُحتجز في برك طينية ضحلة، تموت وتجف بفعل الشمس، ومع وجود الملح الطبيعي في الأرض، تتحول إلى سمك مملح صالح للأكل.

*كيف تطورت الفكرة؟*

* لاحظ المصريون الأسماك المجففة بعد انحسار المياه.

* بدأوا في تقليد العملية: شقّ السمكة، تنظيفها، تمليحها، ثم تجفيفها في الشمس.

* أصبح السمك المملح قرباناً للآلهة في عيد «شمو»، رمز البعث والحياة.

* كلمة «فسيخ» جاءت من «تفكك السمك وتفسخه» نتيجة بقائه فترة طويلة في الملح.

الفسيخ اليوم- بين الشغف والجدل

لا تزال هذه الأكلة الفرعونية حاضرة بقوة في شم النسيم و عيد الفطر، وتثير جدلاً لا ينتهي:

*فريق العشاق*

يرونه أكلة «لذيذة وشهية»، لا يكتمل العيد بدونها.

يستمتعون بطعمها القوي، ويعتبرونها براند مصري أصيل لا يقل قيمة عن أي تراث غذائي عالمي.

*فريق الرافضين*

لا يتحملون رائحته الحادة، ويعتبرونه مصدر سموم أو مغامرة غير محسوبة

ومع ذلك، تجد بعضهم – مثل مشهد أحمد حلمي – يغيّر رأيه بمجرد تذوقه.

بين الفريقين… سجال سنوي

* البعض يراه تراثاً يجب احترامه.

* آخرون يستخدمونه مادة للسخرية من الثقافة الغذائية المصرية.

* وهناك من يعتبر انتقاد الأكلات الشعبية نوعاً من العنصرية الثقافية

* وفي النهاية، كل أسرة فيها من يعشق الفسيخ ومن يرفضه، دون أن يفرض أحد رأيه على الآخر.

*كيف يُصنع الفسيخ؟*

عملية التمليح دقيقة، وتحدد جودة الفسيخ:

* تنظيف خياشيم سمك البوري جيداً.

* تجفيفه تماماً من الماء.

* حشو الخياشيم بالملح الخشن، والشطة، والليمون، والكركم.

* وضعه في أكياس أو صناديق محكمة.

* تركه أقل من أسبوعين حتى يتحول لون اللحم إلى الوردي.

ورغم التحذيرات الصحية، يردّ عشّاقه بثقة:

«سيبها على الله»

«اللي له نصيب في حاجة هيشوفها»

شم النسيم- جذور الاحتفال

يرجع الاحتفال بشم النسيم إلى المصريين القدماء، الذين اعتبروا فصل الربيع «شمو» رمزاً للبعث والحياة.

وكانت القرابين المقدمة للآلهة تتكون من:

* السمك المملح

* الخس

* البصل

* الملانة (الحمص الأخضر)

وهي نفس الأطعمة التي لا يزال المصريون يتناولونها حتى اليوم.

*الخلاصة*

الفسيخ ليس مجرد أكلة، بل قصة تراث، وجدال، وذكريات، ومشهد سنوي يتكرر بين الضحك والدهشة.

سواء كنت من عشّاقه أو من كارهيه، يبقى الفسيخ جزءاً من الهوية المصرية، ورائحة – مهما كانت قوية – لا يمكن فصلها عن تاريخ يمتد لآلاف السنين.

* خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون

عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الاسكندرية