الأرض
موقع الأرض

دليل الإفطار الذكي: هندسة المائدة الرمضانية بين التوازن وسلامة الغذاء

أ.د عادل جبر عبدالرزق  أستاذ ورئيس قسم الزيوت والدهون بالمركز القومى للبحوث
-

من الامتلاء إلى "الإحياء"

﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ۝ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾

تحمل هذه الإشارات القرآنية مفاتيح "جودة الاختيار" قبل "كمية الطعام". في رمضان، يدخل الجسم في حالة فسيولوجية خاصة؛ فبعد ساعات طويلة من الانقطاع عن الطعام، تصبح الخلايا شديدة الحساسية لما يُقدم لها. هنا يكمن الفارق الجوهري: هل نقدم للجسم وجبة تسبب "صدمة سكرية" وخمولاً، أم وجبة تمنحه "إشارة تشغيل هادئة" وطاقة مستدامة؟

المعادلة الذهبية لرمضان صحي تتلخص في ثلاث كلمات: تدرّج.. توازن.. سلامة.

أولاً: استراتيجية "الإشارة الهادئة" (التدرج الذكي)

يعتقد الكثيرون أن الجوع الشديد يتطلب إشباعاً فورياً، لكن الحقيقة الفسيولوجية تقول العكس. الجهاز الهضمي يحتاج إلى التمهيد لا المفاجأة.

1. المفتاح النبوي (التمر والماء):

البدء بـ 1-3 تمرات يمنح الدماغ والجسم سكريات طبيعية بسيطة الامتصاص لرفع مستوى الجلوكوز تدريجياً، بينما يقوم الماء (على دفعات) بإعادة طراوة الأنسجة. نصيحة: لمرضى السكري، يُكتفى بتمرة واحدة أو استشارة الطبيب، فالاعتدال هو سيد الموقف.

2. قاعدة "المرحلتين":

أفضل هدية تقدمها لمعدتك هي تقسيم الإفطار. تناول تمراً وماءً، ثم طبقاً دافئاً من الشوربة قليلة الدسم، ثم توقف لأداء صلاة المغرب. هذه الاستراحة القصيرة (10-15 دقيقة) تسمح للمعدة بالاستعداد لإفراز العصارات الهاضمة بكفاءة، مما يقلل فرص الارتجاع والتخمة.

3. الترتيب الذكي:

ابدأ بالسلطة قبل الطبق الرئيسي. الألياف الموجودة في الخضروات تشكل "شبكة" تقلل من سرعة امتصاص السكريات والدهون اللاحقة، وتمنح شعوراً مبكراً بالشبع.

ثانياً: طبقك بلا ميزان (معادلة الكميات البسيطة)

لا داعي لحساب السعرات المعقد، يمكن ضبط الكميات باستخدام "نموذج الطبق الصحي" وقیاسات اليد:

• 50% خضروات: (سلطة طازجة + خضار مطبوخ). هذه المساحة هي "صمام الأمان" لملء المعدة بالفيتامينات والمعادن دون سعرات عالية.

• 25% بروتين: (لحوم خالية من الدهون، دجاج، سمك، أو بقوليات). الكمية المناسبة تعادل تقريباً حجم "راحة اليد" بدون الأصابع.

• 25% نشويات معقدة: (أرز، فريك، برغل، خبز أسمر). الكمية المناسبة تتراوح بين 6-8 ملاعق طعام، أو ما يعادل حجم "قبضة اليد".

ثالثاً: ملف الدهون والزيوت (تخصص وخبرة)

الدهون ضرورية للجسم، لكن العبرة في "النوع" و"طريقة التعامل". بصفتي متخصصاً في هذا المجال، إليكم هذه القواعد الصارمة:

1. العدو الخفي (درجة التدخين): عند القلي، لا تترك الزيت يصل لمرحلة خروج الدخان؛ فهذا يعني بدء تفكك الزيت وتكون مواد ضارة.

2. لا للتكرار المفرط: إعادة استخدام زيت القلي لعدة مرات يحوله إلى مادة مؤكسدة ترهق الكبد وتضر الشرايين.

3. البدائل الذكية: استبدل القلي العميق بالشوي، السلق، أو القلي الهوائي. القليل من الزيت عالي الجودة أفضل من الكثير من الزيت الرديء.

رابعاً: سلامة الغذاء (الحلقة المفقودة في بيوتنا)

قد يكون الطعام صحياً، لكن طريقة حفظه تحوله إلى مصدر للخطر. في موسم الولائم، تتضاعف أهمية "الوعي الميكروبيولوجي":

• قاعدة الساعتين الذهبية: لا تترك الطعام المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين. البكتيريا تتكاثر بجنون في النطاق الحراري المعتدل.

• التبريد السريع: قسّم الكميات الكبيرة المتبقية في أوعية صغيرة وضعها في الثلاجة فوراً لضمان تبريد مركزها بسرعة.

• خطر التلوث التبادلي: إياك واستخدام نفس السكين أو لوح التقطيع للحوم النيئة (خاصة الدجاج) ثم استخدامها للسلطة أو الخبز دون غسيل وتعقيم دقيق.

• التسخين الحقيقي: عند إعادة تسخين الطعام، تأكد من وصوله لدرجة الغليان أو السخونة الشديدة، وليس مجرد أن يصبح "فاتراً".

خامساً: الحلويات والموروث الشعبي

مائدتنا العربية غنية بالأصناف التقليدية. ليس المطلوب إلغاء هويتنا الغذائية، بل "تهذيبها".

• التوقيت: تأخير الحلويات لساعتين بعد الإفطار يمنع تداخل هضم السكريات مع الدهون والبروتين، ويخفف العبء على البنكرياس.

• الكمية: قطعة صغيرة للتذوق والاستمتاع تكفي، والاعتماد الأكبر يكون على الفاكهة.

• التطوير: يمكننا طهي أطباقنا التراثية بدهون أقل، وتقليل التسبيك، واستخدام الشوي بدلاً من القلي، لنحفظ النكهة ونحمي الصحة.

السحور: وقود اليوم التالي

السحور ليس وجبة تكميلية، بل هو الأساس الطاقي للصيام.

• المكونات: ركز على البروتين (بيض، زبادي، فول) + نشويات بطيئة الامتصاص (خبز حبة كاملة، شوفان).

• تجنب: الموالح والسكريات العالية والبهارات الحارة لتفادي العطش.

• الماء: شرب الماء يكون متوزعاً طوال فترة الفطر، وليس تخزيناً مفاجئاً قبل الفجر.

ختاماً

رمضان مدرسة لتهذيب النفس والجسد. الصحة لا تأتي من الحرمان، بل من "حسن الإدارة". طبق متوازن، زيت نظيف، وحفظ آمن للطعام.. هذه هي الخطوات البسيطة التي تحول صيامك من مشقة بدنية إلى رحلة استشفاء وراحة.

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾

------

نائب رئيس الجمعية العلمية للصناعات الغذائية