الأرض
موقع الأرض

سراب «الفيب».. حين يتبخر رأس المال في سحابة دخان

أسامه زردق
-

​لم يعد مشهد شاب أو فتاة يمسكون بتلك الأجهزة الصغيرة الملونة التي تنفث سحباً كثيفة من الدخان مجرد "موضة" عابرة أو سلوك استهلاكي حديث؛ بل تحول الأمر إلى "نزيف صامت" يضرب في مقتل أهم ما تملكه مصر: رأس مالها البشري.

​لقد دق الأستاذ أحمد زكي، الأمين العام لشعبة المصدرين، ناقوس الخطر بكلمات لا تحتمل التأويل، واصفاً انتشار السجائر الإلكترونية "الفيب" بأنه قضية أمن اقتصادي بامتياز. والحقيقة أننا أمام معضلة مركبة؛ فبينما يظن المدخن أنه يهرب من سموم التبغ التقليدي، نجد أن الدولة والمجتمع يسقطان في فخ اقتصادي وصحي سيكلفنا المليارات في المستقبل القريب.

​الاقتصاد يبدأ من "الرئة"

​في قطاع الإنتاج، سواء كان في الحقل أو المصنع، تظل "الصحة" هي المحرك الأول للنمو. عندما نتحدث عن استنزاف الموارد، فنحن لا نقصد فقط العملات الصعبة التي تخرج لاستيراد هذه الأجهزة ومحاليلها، بل نقصد "فاتورة العلاج" المؤجلة. إن التوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل هو إنجاز للدولة، لكن تحويل ميزانيات هذا النظام لعلاج أمراض ناتجة عن "سموم اختيارية" هو عبء لا ينبغي للموازنة العامة أن تتحمله.

​خديعة "البخار الآمن"

​أكبر كذبة روجت لها شركات السجائر الإلكترونية هي أنها "بديل آمن" فالعلم يخبرنا بغير ذلك تماماً. نحن لا نستنشق بخار ماء معطر، بل مزيجاً كيميائياً معقداً:
• ​النيكوتين: الذي يغتال الجهاز العصبي ويحوله إلى "أسير" للإدمان، فضلاً عن علاقته المباشرة بسرطانات الرئة والبنكرياس.
• ​المعادن الثقيلة: الرصاص والزرنيخ الموجود في تلك المحاليل يتراكم في خلايا الجسم، ليتحول مع الوقت إلى أمراض مزمنة تقعد الشاب عن العمل والإنتاج في ريعان شبابه.
• ​المواد المضافة: مثل البروبيلين جليكول، التي تستخدم في الصناعات الغذائية نعم، ولكن استنشاقها "ساخنة" للرئة مباشرة هو بمثابة حرق بطيء للأنسجة الحيوية.

دروس من العالم: كيف واجهت الدول "غول البخار"؟

​لم تقف دول العالم مكتوفة الأيدي أمام هذا التهديد، وهناك تجارب ملهمة يمكننا الاستفادة منها لتقنين الوضع في مصر:
• ​التجربة الهندية: اتخذت الهند قراراً شجاعاً بحظر إنتاج واستيراد وبيع السجائر الإلكترونية تماماً، معتبرة إياها خطراً داهماً على "الجيل القادم"
• ​النموذج البريطاني الصارم: رغم سماحها بها كبديل للإقلاع، إلا أنها تفرض رقابة "حديدية" على الإعلانات، وتمنع تماماً بيعها للقاصرين مع فرض غرامات خيالية على المحلات المخالفة.
• ​التحرك الأمريكي ضد "النكهات": قامت الولايات المتحدة بحظر العديد من النكهات الجاذبة للأطفال (مثل الفواكه والحلويات) بعد اكتشاف أنها البوابة الأولى لإدمان المراهقين.
• ​الضرائب الرادعة (النموذج الخليجي): طبقت دول مثل السعودية والإمارات ضريبة "انتقائية" بنسبة تصل إلى 100% على منتجات التدخين الإلكتروني، مما قلل من جاذبيتها الاقتصادية لدى الشباب ووفر مورداً لدعم ميزانية الرعاية الصحية.

​المسؤولية المشتركة: التقنين هو الحل

​إن المشهد الحالي الذي نرى فيه "الفيب" متاحاً في كل ركن، حتى في أماكن يرتادها الأطفال، يتطلب وقفة حازمة. إن دعوة شعبة المصدرين لتقنين الاستيراد ووضع ضوابط صارمة للتداول ليست "تضييقاً"، بل هي "حماية استباقية".
​نحن بحاجة إلى تشريعات تغلظ العقوبات على منافذ البيع غير المنضبطة، ونحتاج إلى وعي مجتمعي يدرك أن "السيجارة الإلكترونية" ليست وجاهة اجتماعية، بل هي عبء مادي، ومرض عضوي، وتراجع اقتصادي.

​ختاماً..
إن الحفاظ على مقدرات الاقتصاد المصري والعربي يبدأ من الإنسان. فإذا تبخرت صحة شبابنا في سحابة دخان، فمن سيبني المصانع ويزرع الأرض؟ إنها دعوة للتحرك قبل أن تصبح فاتورة "البخار" أغلى مما نستطيع دفعه.