الأرض
موقع الأرض

زيت زيتون الخريج الأسود.. زيت نادر من ذاكرة الساحل السوري

بقلم: م. ياسين حمدي* -

أهداني صديق سوري زيت زيتون غريبًا جدًا، وقال لي بثقة: «هذا أفضل زيت زيتون في سوريا… لا يُهدى إلا للأصدقاء».

الاسم وحده أثار فضولي: زيت الزيتون الأسود، أو زيت الساحل، أو زيت الخريج. لم أكن قد سمعت به من قبل، فكان لا بد من البحث والتعرّف على قصته وطريقته وطعمه.

ما هو زيت الخريج؟

زيت زيتون الخريج الأسود هو نوع تقليدي قديم من زيت الزيتون، يُنتج في مناطق الساحل السوري، ويتميّز بلونه الداكن الذي يقترب من السواد، ونكهته القوية والحادة.

يُعد هذا الزيت جزءًا من الموروث الغذائي والتراثي للمنطقة، ويُعتقد أن الساحل السوري هو موطنه الأصلي.

لا يوجد تاريخ دقيق لاكتشاف زيت الخريج، لكن بعض الروايات تشير إلى أنه كان معروفًا قبل عهد مملكة أوغاريت الشهيرة على ساحل البحر المتوسط. وتدعم هذه الروايات اكتشاف حبوب زيتون مسلوقة يعود تاريخها إلى ما قبل أوغاريت، إضافة إلى العثور على أداة حجرية تُعرف باسم «الباطوس» – وهي كلمة سريانية تعني الحجر الدائري – كانت تُستخدم في تصنيع هذا النوع من الزيت.

طريقة الإنتاج التقليدية

تمر صناعة زيت الخريج بمراحل شاقة ومعقدة، تختلف تمامًا عن طرق العصر الحديثة:

تُقطف ثمار الزيتون قبل اكتمال نضجها.

تُنشر الثمار في الهواء لمدة أسبوع تقريبًا حتى تجف، وتصبح شبيهة بحبات الزبيب.

تُكسَّر الثمار الجافة باستخدام الحجر.

تُسلق الثمار في ماء ساخن تصل حرارته إلى نحو 90 درجة مئوية.

تُعصر الثمار كاملة لاستخراج الزيت الصافي.

بين الاختفاء والعودة

في العقود الأخيرة، كاد زيت الخريج أن يختفي، بسبب صعوبة إنتاجه، واحتياجه لوقت وجهد كبيرين، فضلًا عن هدر كميات ضخمة من الزيتون مقابل إنتاج كمية قليلة من الزيت.

ومع انتشار المعاصر الحديثة التي تنتج زيت الزيتون بسرعة وكفاءة أعلى، تراجعت هذه الطريقة التقليدية، واقتصر إنتاج زيت الخريج على عدد محدود من محبيه ومتذوقيه.

إلا أن الاهتمام بالتراث الغذائي أعاد هذا الزيت إلى الواجهة مجددًا، بوصفه منتجًا تقليديًا يحمل قيمة ثقافية أكثر من كونه منتجًا استهلاكيًا واسع الانتشار.

خصائص زيت الخريج

لون داكن وكثافة عالية.

نكهة قوية وحادة.

نسبة حموضة مرتفعة مقارنة بزيت الزيتون البكر.

التحليل العلمي والصحي

من الناحية العلمية، يُعتبر زيت الخريج بعيدًا عن المواصفات الدولية التي يحددها المجلس الدولي للزيتون.

إذ إن تعرّض الزيتون للسلق بالماء المغلي يؤدي إلى فقدان نسبة كبيرة من الفيتامينات ومضادات الأكسدة، كما أن الحرارة العالية والغسيل بالماء يؤثران سلبًا على جودة الزيت، وقد يؤديان إلى ارتفاع نسبة الحموضة والبيروكسيد.

لهذه الأسباب، قد تكون له آثار صحية تراكمية على المدى الطويل.

ورغم ذلك، يدافع بعض المستهلكين عن فوائده، مشيرين إلى أنه استُخدم عبر أجيال طويلة دون تسجيل مشكلات صحية واضحة، ما يجعله – في نظرهم – جزءًا من ثقافة غذائية أكثر من كونه منتجًا غذائيًا مثاليًا.

الخلاصة

للاستخدام الصحي اليومي، يُنصح بالابتعاد عن زيت الخريج أو استخدامه بحذر شديد، مع الاعتماد على زيت الزيتون البكر الطازج المعصور حديثًا (غير المخمّر).

في المقابل، يمكن الاستفادة من زيت الخريج في مجالات أخرى مثل صناعة الصابون وبعض المنتجات غير الغذائية، حفاظًا على هذا التراث دون الإضرار بالصحة.

* خبير وقاضٍ دولي في زيت الزيتون

عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الإسكندرية