بين الماء والأملاح.. كيف تتعامل الشعيرات الجذرية مع التربة المالحة؟

كشف الدكتور محمد المليجي، أستاذ أمراض النبات بكلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، أن كثافة الشعيرات الجذرية قد ترتبط بقدرة بعض الأصناف النباتية على تحمل الملوحة، إلا أن الاعتماد عليها وحدها للحكم على مقاومة النبات للأملاح قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة، مؤكدًا أن العلاقة بين الصفتين أكثر تعقيدًا من قاعدة «زيادة الشعيرات تعني زيادة تحمل الملوحة».
الشعيرات الجذرية ودورها في امتصاص الماء
وأوضح المليجي أن الشعيرات الجذرية تؤدي دورًا مهمًا في زيادة المساحة السطحية للجذر، وهو ما يعزز قدرة النبات على امتصاص الماء والعناصر الغذائية من التربة، خاصة في الظروف الطبيعية.
لكن عند تعرض النبات للملوحة، تتغير الصورة؛ إذ يؤدي تراكم الأملاح في التربة إلى انخفاض الجهد الأسموزي للمحلول الأرضي، ما يجعل حصول النبات على الماء أكثر صعوبة، وبالتالي قد تمثل كثافة الشعيرات الجذرية عاملًا يساعد بعض النباتات على الوصول إلى المياه المتاحة والحفاظ على حالتها المائية.
زيادة الشعيرات الجذرية ليست دائمًا ميزة
وأشار أستاذ أمراض النبات إلى أن زيادة كثافة الشعيرات الجذرية قد تحمل جانبًا آخر، إذ إن هذه الشعيرات تكون في اتصال مباشر مع المحلول الأرضي، وبالتالي فإن زيادة مساحة الامتصاص قد تعني أيضًا زيادة تعرض الجذور للأيونات الضارة الموجودة في التربة المالحة.
وتزداد أهمية هذه النقطة عند ارتفاع تركيز أيونات الصوديوم «Na⁺» والكلوريد «Cl⁻»، حيث يمكن أن يؤدي اتساع مساحة التلامس مع محلول التربة إلى زيادة احتمالية دخول هذه الأيونات إلى النبات.
كيف تواجه النباتات الملوحة؟
وأكد المليجي أن قدرة النبات على تحمل الملوحة لا تتحدد بكثافة الشعيرات الجذرية فقط، وإنما ترتبط بصورة أكبر بكيفية تعامل النبات مع الأملاح بعد وصولها إلى الجذر.
ومن أبرز الآليات التي تستخدمها النباتات المتحملة للملوحة الحد من دخول الصوديوم والكلوريد إلى أوعية الخشب، وبالتالي تقليل انتقالهما إلى المجموع الخضري، إلى جانب تفضيل امتصاص عنصر البوتاسيوم على الصوديوم.
كما تعتمد بعض النباتات على تخزين الصوديوم داخل الفجوات العصارية للخلايا، بما يقلل من تأثيره الضار على العمليات الحيوية، فضلًا عن المحافظة على الاتزان الأسموزي وسلامة أغشية خلايا الجذور.
هل تقلل بعض النباتات شعيراتها الجذرية تحت الملوحة؟
ولفت أستاذ أمراض النبات إلى أن استجابة النباتات للملوحة ليست واحدة، فقد تلجأ بعض الأنواع إلى تقليل طول أو كثافة الشعيرات الجذرية عند تعرضها للإجهاد الملحي، في حين تحافظ أنواع أخرى على كثافتها أو قد تزيدها.
ويرتبط ذلك باختلاف الاستراتيجيات التي تتبعها النباتات في مواجهة نقص المياه وارتفاع تركيز الأملاح؛ فزيادة الشعيرات الجذرية قد تمنح النبات مساحة أكبر لامتصاص الماء والعناصر الغذائية، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد مساحة تعرض الجذور للأملاح.
وفي المقابل، قد يؤدي انخفاض كثافة الشعيرات إلى تقليص المساحة الامتصاصية للجذر، لكنه يمكن أن يكون جزءًا من استراتيجية تساعد النبات على الحد من تعرضه لبعض الأيونات الضارة.
هل تصلح الشعيرات الجذرية لاختيار الأصناف المقاومة للملوحة؟
وحول إمكانية استخدام كثافة الشعيرات الجذرية في مرحلة الجذير عقب الإنبات كاختبار معملي لاختيار الأصناف الأكثر مقاومة للملوحة، أوضح المليجي أن هذه الصفة لا يمكن الاعتماد عليها منفردة باعتبارها مؤشرًا حاسمًا على تحمل الصنف للملوحة.
وأوضح أن كثافة الشعيرات الجذرية يمكن التعامل معها باعتبارها أحد مكونات استجابة النبات للإجهاد الملحي، لكنها تحتاج إلى الربط مع مجموعة أخرى من الصفات الفسيولوجية والبيولوجية للوصول إلى تقييم أكثر دقة لقدرة الصنف على التحمل.
مؤشر أكثر دقة لتحديد تحمل الملوحة
وأشار المليجي إلى أهمية دراسة العلاقة بين كثافة الشعيرات الجذرية ونسبة الصوديوم إلى البوتاسيوم «Na⁺/K⁺» ومستوى تحمل الملوحة بين الأصناف المختلفة للمحصول الواحد.
وقد تساعد دراسة هذه العلاقة في تحديد ما إذا كانت صفات الشعيرات الجذرية يمكن استخدامها مستقبلًا كمؤشر تنبؤي عملي لاختيار الأصناف الأكثر تحملًا للملوحة في محصول معين، بدلًا من الاعتماد على كثافة الشعيرات وحدها.
وبذلك، فإن تقييم تحمل النباتات للملوحة يحتاج إلى النظر إلى الصورة كاملة؛ فالشعيرات الجذرية قد تكون جزءًا مهمًا من منظومة التكيف، لكنها ليست وحدها العامل الذي يحدد قدرة النبات على مواجهة الإجهاد الملحي.

