الأرض
موقع الأرض

الحرارة تضرب نمو النباتات.. «المناخ الزراعي» يكشف طرق المواجهة

إسلام موسي -

أكد الدكتور محمد عبد ربه، مدير المعمل المركزي للمناخ الزراعي، أن درجة حرارة الهواء تعد من أهم العوامل المناخية المؤثرة في نمو النباتات وإنتاجيتها، لما لها من تأثير مباشر في العديد من العمليات الفسيولوجية والحيوية التي يمر بها النبات، بداية من النمو والتمثيل الضوئي، وصولًا إلى التنفس والإزهار والإثمار وامتصاص المياه والعناصر الغذائية.

وأوضح أن فهم العلاقة بين درجات الحرارة واحتياجات النباتات يمثل عاملًا أساسيًا في تحسين المعاملات الزراعية، خصوصًا داخل الصوب الزراعية، التي تتأثر بصورة أكبر بالتغيرات الحرارية والرطوبة والتهوية.

3 درجات حرارة تحدد مسار نمو النبات

وأشار مدير المعمل المركزي للمناخ الزراعي إلى أن تأثير الحرارة في النباتات يرتبط بثلاث درجات رئيسية، هي درجة الحرارة الدنيا، ودرجة الحرارة المثلى، ودرجة الحرارة العليا.

وتتمثل درجة الحرارة الدنيا في المستوى الذي لا يستطيع النبات عنده تحقيق نمو طبيعي، بينما تمثل درجة الحرارة المثلى المستوى الذي يصل عنده النمو إلى أفضل معدلاته، في حين تؤدي درجة الحرارة العليا إلى توقف النمو مرة أخرى نتيجة تعرض العمليات الحيوية داخل النبات للإجهاد الحراري.

التمثيل الضوئي.. الحرارة تتحكم في تصنيع الغذاء

ولفت الدكتور محمد عبد ربه إلى أن عملية التمثيل الضوئي تعد من أهم العمليات الفسيولوجية في النبات، باعتبارها المسؤولة عن تصنيع المواد السكرية اعتمادًا على ثاني أكسيد الكربون والماء والطاقة الضوئية.

وقال إن تأثير درجة الحرارة في التمثيل الضوئي يرتبط بصورة مباشرة بتأثيرها في تفاعلات الظلام، التي تعد تفاعلات كيميائية حيوية، ولذلك يظهر تأثير الحرارة عليها بشكل واضح، بينما يعتمد الجزء الآخر من عملية التمثيل الضوئي، وهو تفاعل الضوء، بصورة أساسية على شدة الإشعاع الشمسي.

ارتفاع الحرارة يرفع معدلات التنفس

وفيما يتعلق بعملية التنفس، أوضح أن التنفس يمثل عملية هدم للمركبات العضوية واستخدام الطاقة الناتجة عنها في أداء الوظائف الحيوية المختلفة للنبات.

وأضاف أن التنفس يحدث في نطاق واسع من درجات الحرارة، إلا أن ارتفاع درجة الحرارة يؤدي بوجه عام إلى زيادة سرعة هذه العملية، مع وجود درجة حرارة مثلى تختلف وفقًا لطبيعة العملية والنبات.

وأشار إلى أن درجة الحرارة المثلى لعملية التنفس لدى معظم النباتات تكون أعلى بكثير من درجات الحرارة التي تحقق أفضل كفاءة لعملية التمثيل الضوئي، وهو ما يوضح أهمية الحفاظ على التوازن الحراري داخل البيئة الزراعية.

الإزهار والإثمار.. البرودة قد تكون شرطًا أساسيًا

وأكد مدير المعمل المركزي للمناخ الزراعي أن درجات الحرارة تؤدي دورًا محوريًا في الإزهار وتكوين الثمار لدى العديد من النباتات، موضحًا أن بعض النباتات تحتاج إلى التعرض لدرجات حرارة منخفضة لفترة محددة حتى يتم تحفيزها على الإزهار، وهي العملية المعروفة باسم الارتباع.

ولفت إلى أن بعض نباتات الزينة، ومنها نبات البرميولا، من الأمثلة على النباتات التي تتأثر بالإجراءات الحرارية اللازمة لتحفيز الإزهار.

وفي المقابل، يمكن لانخفاض درجات الحرارة خلال موسم الإزهار أن ينعكس سلبًا على النباتات، إذ قد يؤدي تدني الحرارة إلى تساقط الأزهار، وبالتالي انخفاض فرص تكوين محصول جيد.

وأضاف أن أشجار الفاكهة، وبصفة خاصة الأشجار المتساقطة الأوراق التي تمر بمرحلة سكون، تحتاج إلى التعرض لدرجات حرارة منخفضة لعدد محدد من الساعات حتى تتمكن براعمها الزهرية من التفتح بصورة طبيعية، وتختلف احتياجات البرودة من صنف إلى آخر.

النتح.. آلية طبيعية لتنظيم حرارة النبات

وتطرق الدكتور محمد عبد ربه إلى تأثير درجة الحرارة في عملية النتح، موضحًا أن ارتفاع درجة حرارة الهواء يؤدي إلى زيادة الفرق بين ضغط بخار الماء داخل الورقة وخارجها، خاصة مع توافر المياه وعدم تعرض النبات للإجهاد المائي، وهو ما يدفع المياه إلى الانتقال من داخل الورقة إلى سطحها ثم تبخرها في الهواء الجوي.

وذكر أن عملية التبخر تسهم في خفض درجة حرارة النبات، بينما يؤدي انخفاض درجة الحرارة إلى تقليل الفارق بين ضغط بخار الماء داخل الورقة وخارجها، وبالتالي انخفاض معدل النتح.

وأوضح أن النتح لا يتأثر بدرجة الحرارة وحدها، وإنما يرتبط أيضًا بتوافر المياه في التربة وسلامة النبات وكفاءة الأوعية الناقلة للمياه والعناصر الغذائية.

النتح يدعم امتصاص المياه والعناصر الغذائية

وأكد أن عملية النتح تمثل قوة دافعة رئيسية لامتصاص المياه، إذ يؤدي استمرار فقد الماء من الأوراق إلى تكوين تيار مائي يساعد على سحب المياه من التربة ودفعها إلى أعلى النبات.

ومع انتقال المياه إلى الأجزاء المختلفة من النبات، تنتقل معها العناصر الغذائية الذائبة فيها، بما يدعم النمو والعمليات الحيوية المختلفة.

وأشار إلى أنه مع ارتفاع درجة الحرارة، وفي الحدود المناسبة لاحتياجات النبات، تزداد معدلات امتصاص المياه والعناصر الغذائية، ويمكن تفسير ذلك بزيادة الطاقة الحركية لجزيئات الماء وارتفاع نفاذية الأغشية البلازمية، إلى جانب نمو وانتشار المجموع الجذري في ظروف الحرارة الملائمة.

حرارة التربة لا تقل أهمية عن حرارة الهواء

وشدد مدير المعمل المركزي للمناخ الزراعي على أهمية الانتباه إلى درجة حرارة التربة عند تقييم قدرة النبات على امتصاص المياه والعناصر الغذائية، مؤكدًا أن انخفاض حرارة التربة قد يؤدي إلى ظهور علامات الذبول على أوراق بعض النباتات، حتى مع وجود المياه، بسبب عدم قدرة الجذور على امتصاصها بالكفاءة المطلوبة.

وينطبق الأمر نفسه على بعض العناصر الغذائية الذائبة في مياه التربة، حيث قد يؤدي انخفاض نشاط الجذور نتيجة انخفاض حرارة التربة إلى الحد من قدرة النبات على الاستفادة منها.

الصوب الزراعية.. التهوية مفتاح التوازن الحراري

وأوضح الدكتور محمد عبد ربه أن هذه التأثيرات تظهر بصورة أكثر وضوحًا داخل الصوب الزراعية والبيوت المحمية، حيث يؤدي ارتفاع درجة الحرارة خلال ساعات النهار إلى زيادة معدلات العمليات الحيوية مقارنة بالنباتات الموجودة خارج الصوبة.

وتابع أن التهوية الجيدة تعد من أهم العوامل اللازمة لإدارة البيئة داخل الصوب، لأنها تسهم في خفض الرطوبة النسبية وتحسين ظروف النتح، بما يدعم استمرار امتصاص المياه والعناصر الغذائية.

معادلة دقيقة بين التهوية والحفاظ على الحرارة

ونوه إلى أن إدارة الصوبة الزراعية تحتاج إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على درجة حرارة مناسبة لتسريع معدلات النمو، وبين توفير التهوية اللازمة لمنع ارتفاع الرطوبة النسبية بصورة مفرطة.

وأوضح أن ارتفاع الرطوبة داخل الصوبة قد يؤدي إلى تقليل النتح، وبالتالي التأثير في امتصاص المياه والعناصر الغذائية، فضلًا عن تهيئة ظروف مناسبة لانتشار العديد من الأمراض الفطرية.

وشدد على أن إدارة درجات الحرارة والرطوبة والتهوية داخل الصوب الزراعية بصورة متوازنة تمثل عنصرًا أساسيًا للحفاظ على صحة النباتات وتحسين كفاءة امتصاص المياه والعناصر الغذائية، والوصول إلى إنتاجية وجودة أفضل، مع الحد من مخاطر الإصابة بالأمراض.

لماذا تهم هذه المعلومات المزارعين؟

وتكتسب هذه التوجيهات أهمية خاصة للمزارعين، لأن التعامل مع درجات الحرارة لا يقتصر على مواجهة موجات الحر أو البرودة فقط، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بكفاءة النبات في تصنيع غذائه والتنفس والإزهار والإثمار وامتصاص المياه والعناصر الغذائية.

ومن ثم، فإن ضبط الري والتهوية ودرجات الحرارة والرطوبة وفق احتياجات كل محصول، مع مراعاة درجة حرارة التربة، يمكن أن يسهم في تقليل الإجهاد الحراري وتحسين نمو النباتات ورفع كفاءة الإنتاج، خاصة في الزراعات المحمية.