الأرض
موقع الأرض

الزراعة تكشف المحاصيل الأكثر تحملاً لملوحة التربة ومياه الري

إسلام موسى -

أكد المهندس محمد عبد الحكيم، مدير الإرشاد الزراعي بمديرية الزراعة بسوهاج، أن ملوحة التربة ومياه الري تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الإنتاج الزراعي، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة، موضحًا أن تراكم الأملاح في منطقة انتشار الجذور يؤثر سلبًا في قدرة النباتات على امتصاص المياه والعناصر الغذائية، ما ينعكس على معدلات النمو والإنتاجية وجودة المحصول.

وأشار مدير الإرشاد الزراعي بمديرية الزراعة بسوهاج إلى أن تحديد درجة تحمل المحاصيل للملوحة أصبح عاملًا أساسيًا عند اختيار المحصول المناسب للأرض ومصدر مياه الري، بما يساعد المزارعين على تحقيق أفضل إنتاج ممكن وتقليل الخسائر الناتجة عن ارتفاع مستويات الملوحة.

ما المقصود بتحمل المحصول للملوحة؟

يقصد بتحمل المحصول للملوحة قدرته على الاستمرار في النمو والإنتاج عند تعرض منطقة الجذور لتركيزات مرتفعة نسبيًا من الأملاح، مع الحفاظ على مستوى مقبول من الإنتاجية.

ويُقاس مستوى ملوحة التربة عادةً من خلال التوصيل الكهربائي لمستخلص عجينة التربة المشبعة ECe، ويُعبَّر عنه بوحدة ديسي سيمنز/متر dS/m، بينما يُستخدم الرمز ECw للتعبير عن ملوحة مياه الري.

ولا تمثل قدرة المحصول على تحمل الملوحة رقمًا ثابتًا في جميع الظروف، إذ تتأثر بدرجة كبيرة بنوع المحصول والصنف، والظروف المناخية، وخصائص التربة، ومرحلة نمو النبات، إلى جانب أساليب الإدارة الزراعية المتبعة.

كيف تؤثر ملوحة التربة ومياه الري في المحاصيل؟

تؤثر زيادة الأملاح في منطقة الجذور على النباتات من خلال عدة عوامل، يأتي في مقدمتها ما يعرف بالإجهاد الأسموزي، حيث يؤدي ارتفاع تركيز الأملاح إلى صعوبة امتصاص النبات للمياه حتى مع وجود نسبة رطوبة مناسبة في التربة.

كما يمكن أن يؤدي تراكم بعض الأيونات، مثل الصوديوم والكلوريد، إلى مستويات مرتفعة إلى حدوث أضرار مباشرة في الأنسجة النباتية، فضلًا عن التأثير في قدرة النبات على امتصاص العناصر الغذائية والاستفادة منها بصورة متوازنة.

وتظهر آثار الملوحة أيضًا في صورة انخفاض معدلات النمو وتراجع المساحة الورقية، خاصة في المحاصيل الحساسة، ومع استمرار ارتفاع مستويات الأملاح تتراجع إنتاجية المحصول وجودته، وقد تصل الأضرار في الحالات الشديدة إلى توقف النمو الاقتصادي للنبات.

ولا يقتصر تأثير الملوحة على النبات فقط، إذ يمكن أن تنعكس المستويات المرتفعة من الصوديوم على خواص التربة ونفاذيتها وتهويتها، بما يزيد صعوبة إدارة الأرض الزراعية.

5 درجات لتصنيف تحمل المحاصيل للملوحة

يمكن تقسيم المحاصيل بصورة إرشادية وفق مستوى ملوحة التربة الذي يبدأ عنده حدوث انخفاض في الإنتاج إلى خمس درجات رئيسية:

محاصيل حساسة: أقل من 1.3 ديسي سيمنز/متر.

محاصيل متوسطة الحساسية: من 1.3 إلى 3.0 ديسي سيمنز/متر.

محاصيل متوسطة التحمل: من 3.0 إلى 6.0 ديسي سيمنز/متر.

محاصيل متحملة: من 6.0 إلى 10.0 ديسي سيمنز/متر.

ملوحة شديدة بالنسبة لمعظم المحاصيل: أكثر من 10 ديسي سيمنز/متر.

ويُعد هذا التصنيف دليلًا إرشاديًا وليس قاعدة مطلقة تنطبق على جميع الأراضي والمحاصيل، لأن استجابة النبات للملوحة تختلف وفق الصنف والظروف البيئية وطريقة الزراعة والإدارة الزراعية.

الشعير والقمح والقطن ضمن المحاصيل الأكثر تحملًا

تختلف قدرة المحاصيل على تحمل الملوحة بصورة واضحة، وتظهر بعض المحاصيل قدرة مرتفعة نسبيًا على الاستمرار في الإنتاج عند مستويات أعلى من الأملاح.

ويأتي الشعير ضمن أكثر محاصيل الحبوب تحملًا للملوحة، إذ تشير البيانات الإرشادية إلى أن انخفاض الإنتاج يبدأ عند مستوى يقارب 8 ديسي سيمنز/متر ECe.

كما يتمتع القمح بدرجة جيدة من تحمل الملوحة، ويبدأ انخفاض الإنتاج وفق القيم الإرشادية عند مستوى يقارب 6 ديسي سيمنز/متر.

وتضم المحاصيل ذات القدرة الجيدة نسبيًا على تحمل الملوحة أيضًا الذرة الرفيعة وبنجر السكر والقطن مقارنة بعدد من المحاصيل الحقلية الأكثر حساسية.

الفاصوليا والبصل والجزر والفراولة أكثر حساسية

في المقابل، تحتاج بعض المحاصيل إلى عناية أكبر عند زراعتها في الأراضي المتأثرة بالملوحة، ومن بينها الفاصوليا والبصل والجزر والخس والفراولة.

وتشير القيم الإرشادية إلى أن بداية انخفاض الإنتاج قد تحدث عند مستويات منخفضة نسبيًا من ملوحة التربة، حيث تبلغ نحو 1.0 ديسي سيمنز/متر للفاصوليا والجزر والفراولة، ونحو 1.2 ديسي سيمنز/متر للبصل، بينما تبلغ نحو 1.8 ديسي سيمنز/متر للذرة، مقابل نحو 6.0 ديسيمنز/متر للقمح و8.0 ديسيمنز/متر للشعير.

انخفاض الإنتاج لا يعني موت النبات

ومن المهم عدم تفسير مستويات الملوحة الإرشادية باعتبارها الحد الذي يموت عنده النبات، إذ تشير قيمة Threshold إلى المستوى الذي يبدأ بعده انخفاض الإنتاج مقارنة بالمحصول الذي ينمو في ظروف غير مالحة.

ومع زيادة الملوحة عن هذا المستوى، تتزايد خسائر الإنتاج تدريجيًا وفق درجة حساسية المحصول والظروف المحيطة به.

مرحلة الإنبات تحتاج إلى اهتمام خاص

أوضح مدير الإرشاد الزراعي بمديرية الزراعة بسوهاج أن درجة تحمل المحصول للملوحة لا تكون بالضرورة واحدة طوال الموسم الزراعي، إذ تكون بعض المحاصيل أكثر حساسية خلال مرحلة الإنبات وبداية نمو البادرات مقارنة بالمراحل اللاحقة من النمو.

وقد يستطيع النبات تحمل مستوى معين من الملوحة بعد اكتمال نموه، بينما يتعرض لضرر أكبر إذا تعرض للمستوى نفسه خلال مرحلة الإنبات.

ولهذا تكتسب إدارة الملوحة في بداية الموسم أهمية كبيرة، خاصة بالنسبة للمحاصيل التي تتم زراعتها مباشرة بالبذور.

اختيار المحصول المناسب للأرض المالحة

عند التعامل مع الأراضي المتأثرة بالملوحة، لا ينبغي أن يقتصر قرار المزارع على معرفة إمكانية زراعة الأرض من عدمها، وإنما يجب تحديد المحصول والصنف الأكثر ملاءمة لدرجة ملوحة التربة ومياه الري مع مراعاة العائد الاقتصادي المتوقع.

وفي الأراضي التي ترتفع فيها مستويات الملوحة نسبيًا، قد يكون الاتجاه إلى المحاصيل الأكثر تحملًا خيارًا أفضل من زراعة المحاصيل الحساسة التي تحتاج إلى إدارة دقيقة للمياه والأملاح، خاصة عندما تكون جودة مياه الري محدودة.

ولا يكفي تحمل المحصول للملوحة وحده لاتخاذ القرار، بل يجب وضع القيمة التسويقية للمحصول، وتكاليف الإنتاج، واحتياجاته المائية، والظروف المناخية، وفرص التسويق والتصنيع ضمن عناصر المفاضلة.

الفرق بين ملوحة مياه الري وملوحة التربة

يجب التفرقة بين ECw التي تعبر عن ملوحة مياه الري وECe التي تعبر عن ملوحة التربة في منطقة الجذور.

فارتفاع ملوحة مياه الري لا يعني بالضرورة وصول ملوحة التربة إلى المستوى نفسه بشكل مباشر، إذ تتداخل عدة عوامل في تحديد كمية الأملاح التي تتراكم داخل منطقة الجذور، من بينها كمية المياه المستخدمة في الري، وكفاءة الصرف، ومعدل الغسيل، ونوع التربة، إلى جانب معدلات البخر والنتح.

كما تعتمد العلاقة بين ملوحة مياه الري وملوحة منطقة الجذور على نظام الري المستخدم وطريقة توزيع المياه وكمية الغسيل داخل قطاع التربة، وهو ما يجعل قياس ملوحة التربة ومياه

الري بصورة مستقلة أمرًا ضروريًا عند تقييم الأرض.

6 إجراءات للحد من أضرار الملوحة

يمكن للمزارعين تقليل آثار الملوحة على المحاصيل من خلال اتباع مجموعة من الإجراءات الزراعية المتكاملة، وفي مقدمتها:

أولًا: اختيار الأصناف المتحملة للملوحة

يساعد اختيار الأصناف التي تتمتع بقدرة أفضل على تحمل الأملاح في تقليل الخسائر، مع ضرورة التأكد من ملاءمة الصنف للظروف المناخية للمنطقة واحتياجات السوق.

ثانيًا: تحسين كفاءة الصرف الزراعي

يمثل الصرف الجيد عنصرًا أساسيًا في الحد من تراكم الأملاح داخل منطقة الجذور، كما يساعد على منع صعودها من الطبقات السفلى إلى منطقة انتشار الجذور.

ثالثًا: إجراء الغسيل الزراعي

يمكن استخدام جزء من مياه الري في غسيل الأملاح ودفعها إلى أسفل منطقة الجذور، بشرط توافر نظام صرف فعال يسمح بخروج المياه المحملة بالأملاح من منطقة الجذور.

رابعًا: إدارة الري بصورة دقيقة

يساعد انتظام الري وإدارة رطوبة التربة بصورة جيدة على الحد من ارتفاع تركيز الأملاح حول الجذور، خاصة خلال فترات جفاف التربة.

خامسًا: تحليل التربة ومياه الري بصفة دورية

تتطلب الإدارة الدقيقة للملوحة معرفة مستوى ECe في التربة وECw في مياه الري، إلى جانب إجراء التحاليل اللازمة للعناصر والأيونات المؤثرة عند الحاجة.

سادسًا: تحسين خواص التربة

يساعد تحسين بناء التربة ونفاذيتها على حركة المياه وتصريف الأملاح، مع مراعاة طبيعة الأرض ودرجة الصودية، إلى جانب الاهتمام بالمادة العضوية وفق الاحتياجات الفعلية للتربة.

الإدارة الجيدة للملوحة تحافظ على الإنتاج

وتؤكد هذه المعطيات أن التعامل مع ملوحة التربة ومياه الري لا يعتمد على اختيار محصول متحمل فقط، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بتحليل التربة والمياه، ثم اختيار المحصول والصنف المناسبين، مرورًا بإدارة الري والصرف والغسيل الزراعي، وصولًا إلى المتابعة المستمرة لحالة منطقة الجذور.

ويُسهم هذا النهج في تحقيق استخدام أكثر كفاءة للأراضي ومياه الري، والحد من خسائر الإنتاج، ورفع قدرة المزارعين على اختيار المحاصيل التي تتناسب مع طبيعة الأراضي وظروفها، بما يدعم استدامة الإنتاج الزراعي وتحسين العائد الاقتصادي.