الأرض
موقع الأرض

مدير بحوث أمراض النباتات: التغيرات المناخية رفعت مخاطر الإصابات المرضية والمتابعة المبكرة خط الدفاع الأول

إسلام موسى -

​تشهد المنظومة الزراعية تحديات متزايدة في ظل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، وهو ما انعكس على طبيعة انتشار الأمراض النباتية وظهور بؤر إصابة جديدة تهدد عدداً من المحاصيل الاستراتيجية. وفي المقابل، يواصل معهد بحوث أمراض النباتات جهوده في الرصد المبكر، والتشخيص الدقيق، ووضع برامج المكافحة المتكاملة، بما يسهم في الحد من الخسائر والحفاظ على جودة الإنتاج الزراعي ودعم الصادرات المصرية.
​وللتعرف على تفاصيل هذا الملف، حاورنا الدكتور عبد الناصر بدوي السيد، مدير معهد بحوث أمراض النباتات بمركز البحوث الزراعية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي.

بالحديث عن الخريطة المرضية الحالية.. ما أبرز التهديدات التي تواجه المحاصيل الزراعية اليوم؟
​تختلف خريطة الأمراض النباتية باختلاف الموسم والظروف المناخية، إلا أن الفترة الحالية تشهد نشاطًا ملحوظًا لعدد من الأمراض التي تصيب محاصيل الحقل والخضر والفاكهة.
​وتأتي أمراض البياض الزغبي والبياض الدقيقي في مقدمة الأمراض المنتشرة، خاصة في العنب والقرعيات والمانجو، بينما تظهر اللفحة المبكرة بصورة واضحة في الطماطم، والتبقعات الورقية في الذرة الشامية والفول السوداني.
​كما تزداد إصابات أعفان الجذور والذبول في محاصيل الخضر والسمسم والفاصوليا والفراولة، إلى جانب اللفحة البكتيرية في الأرز وبعض محاصيل الخضر، فضلًا عن الأمراض الفيروسية، مثل فيروس تجعد أوراق الطماطم، وموزاييك الخيار والفلفل.
​وتشهد بعض المحاصيل أيضًا انتشارًا للإصابات النيماتودية، وعلى رأسها نيماتودا تعقد الجذور في الخيار والفلفل والباذنجان والعنب، بالإضافة إلى مرض الذبول المتأخر وعفن الساق البكتيري في الذرة الشامية، وأعفان جذور القطن.
​وترتبط زيادة انتشار هذه الأمراض بارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، إلى جانب عدم انتظام عمليات الري، وهو ما يجعل المتابعة الحقلية المستمرة، والتشخيص المبكر، وتطبيق برامج المكافحة المتكاملة، الركائز الأساسية لتقليل حجم الخسائر والحفاظ على الإنتاجية.

تحولات المناخ أصبحت واقعًا يفرض نفسه.. بأي شكل ينعكس هذا المتغير على تفاقم الإصابات؟
​أصبحت التغيرات المناخية من أبرز العوامل المؤثرة في تطور وانتشار الأمراض النباتية، بعدما انعكس تأثيرها بصورة مباشرة على الممرضات النباتية، والنباتات العائلة، والحشرات الناقلة، فضلاً عن البيئة المحيطة بالمحصول.
​ويسهم ارتفاع درجات الحرارة في زيادة معدلات نمو وتكاثر العديد من الفطريات والبكتيريا، كما يسمح بظهور أمراض في مناطق لم تكن ملائمة لها من قبل، إلى جانب تعرض النباتات للإجهاد، وهو ما يضعف مقاومتها الطبيعية ويجعلها أكثر عرضة للإصابة.
​كما تؤدي زيادة الرطوبة وسقوط الأمطار إلى تهيئة الظروف المناسبة لانتشار أمراض البياض الزغبي واللفحة المتأخرة وأعفان الجذور، بينما تتسبب فترات الجفاف الطويلة في إضعاف النباتات، لتزداد شدة الإصابة عقب هطول الأمطار المفاجئة.
​ولا يقتصر تأثير التغيرات المناخية على ذلك، بل تمتد آثاره إلى الظواهر الجوية العنيفة، إذ تساعد الرياح على نقل جراثيم بعض الفطريات لمسافات طويلة، كما تسهم الفيضانات في انتقال مسببات أعفان الجذور عبر التربة والمياه الملوثة.
​وفي الوقت نفسه، تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة أعداد الحشرات الناقلة للأمراض، مثل الذبابة البيضاء والمن والتربس، وهو ما يرفع معدلات انتشار الأمراض الفيروسية، وفي مقدمتها فيروس تجعد واصفرار أوراق الطماطم وموزاييك الخيار.

التحرك السريع يمنع الأزمات.. ما الآليات التي يمتلكها المعهد للرصد والاكتشاف المبكر للبؤر المرضية؟
​يعتمد المعهد على منظومة وطنية متكاملة لرصد الأمراض النباتية، تبدأ بتنفيذ حملات مسح ميداني منتظمة تشمل جميع المحاصيل الصيفية والشتوية، مع التركيز على المحاصيل الاستراتيجية، مثل القمح والذرة والقطن والموالح والخضر والفاكهة.
​وتضم المنظومة وحدة متخصصة للإنذار المبكر تعتمد على تحليل بيانات الطقس، مثل درجات الحرارة والرطوبة والأمطار والرياح، للتنبؤ باحتمالات ظهور الأمراض قبل انتشارها، وإرسال تنبيهات مبكرة إلى مديريات الزراعة والإدارات الزراعية والمزارعين لاتخاذ الإجراءات الوقائية المناسبة.
​ويولي المعهد اهتمامًا كبيرًا بالتشخيص السريع والدقيق، من خلال معامل متخصصة تستخدم أحدث تقنيات التشخيص الجزيئي، وفي مقدمتها تقنية تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR)، إلى جانب الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في دعم عمليات التشخيص ورفع دقتها.
​كما يعمل على إعداد خريطة مرضية محدثة توضح أماكن انتشار الأمراض النباتية، من خلال قاعدة بيانات جغرافية يتم تحديثها بصورة مستمرة لرصد أي بؤر جديدة ومتابعة تطورها.
​وتشمل الخطة أيضًا متابعة الأمراض الوافدة والسلالات الجديدة، بالتنسيق مع الحجر الزراعي، لفحص التقاوي والشتلات المستوردة ومنع دخول أي مسببات مرضية تمثل خطرًا على الزراعة المصرية.
​وتنسجم هذه المنظومة مع رؤية معهد بحوث أمراض النباتات الهادفة إلى حماية المحاصيل، والتشخيص المبكر، ورصد التهديدات المرضية، وتعزيز الأمن الغذائي، ومواجهة الآثار المتزايدة للتغيرات المناخية.

عند رصد علامات المرض داخل الحقل.. ما خطوات التعامل الميداني السليم للسيطرة على العدوى؟
​سرعة التعامل مع الإصابة تمثل العامل الحاسم في الحد من انتشار الأمراض داخل الحقول، لذلك تبدأ الخطوة الأولى بفحص المحصول بدقة لتحديد حجم الإصابة والأماكن الأكثر تضررًا.
​ويجب عزل النباتات المصابة وعدم نقلها أو نقل التربة أو الأدوات المستخدمة منها إلى حقول أخرى، حتى لا تنتقل العدوى إلى مناطق جديدة.
​كما ينبغي إزالة الأجزاء شديدة الإصابة والتخلص منها بالحرق أو الدفن في أماكن آمنة، مع عدم تركها داخل الحقل حتى لا تتحول إلى مصدر دائم لنشر المسببات المرضية.
​ومن الضروري تجنب استخدام المبيدات بصورة عشوائية، لأن نجاح المكافحة يرتبط بالتشخيص الصحيح للمسبب المرضي، سواء كان فطريًا أو بكتيريًا أو فيروسيًا أو نيماتوديًا، بما يضمن اختيار المبيد المناسب وفق توصيات وزارة الزراعة.
​كما يجب متابعة الحقل بصورة مستمرة بعد تنفيذ برنامج المكافحة، للتأكد من توقف انتشار المرض وتقييم كفاءة المعاملة، لأن الاكتشاف المبكر والتشخيص السليم وسرعة التدخل تمثل أهم عناصر الحفاظ على الإنتاجية وتقليل الخسائر.

تقليل الخسائر الاقتصادية هدف استراتيجي.. أين تكمن مساهمات المعهد المباشرة في دعم المزارع؟
​يعتمد المعهد على مجموعة متكاملة من البرامج البحثية والإرشادية التي تستهدف تقليل الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الأمراض النباتية.
​وتشمل هذه الجهود تنفيذ حملات متابعة ميدانية على مدار العام لرصد الحالة المرضية للمحاصيل، وتشخيص المسببات المرضية بدقة، ووضع برامج مكافحة متكاملة تجمع بين الممارسات الزراعية السليمة، والأصناف المقاومة، والمكافحة الحيوية، مع ترشيد استخدام المبيدات.
​كما ينظم المعهد برامج تدريبية وندوات إرشادية ومدارس حقلية لمهندسي الإرشاد الزراعي والمزارعين، بهدف رفع الوعي بطرق التعرف على الأمراض وأساليب الوقاية والمكافحة.
​ويمتد الدور البحثي إلى تقييم الأصناف والهجن الزراعية قبل التوسع في زراعتها، للتأكد من قدرتها على مقاومة الأمراض، بما يسهم في الحد من انتقال المسببات المرضية ورفع إنتاجية المحاصيل.

كلمة أخيرة للمزارع المصري لتفادي الوقوع في أخطاء المكافحة وحماية محاصيله؟
​الالتزام بالتوصيات الفنية الصادرة عن وزارة الزراعة ومراكزها البحثية، وعدم استخدام المبيدات أو أي وسائل مكافحة دون تشخيص دقيق للإصابة، مع متابعة الحقول بصورة مستمرة والإبلاغ عن أي أعراض غير طبيعية في مراحلها الأولى، لأن الاكتشاف المبكر والتدخل السريع يقللان من حجم الخسائر ويحافظان على إنتاجية المحاصيل.
​كما أن الاعتماد على التقاوي والشتلات المعتمدة، والالتزام بمواعيد الزراعة، وتطبيق برامج المكافحة المتكاملة، والحفاظ على التوازن في التسميد والري، تمثل عوامل رئيسية للحد من انتشار الأمراض النباتية. والتعاون المستمر بين المزارعين والباحثين والمهندسين الزراعيين هو السبيل لتعزيز الأمن الغذائي، وتحسين جودة الإنتاج، ودعم تنافسية الصادرات الزراعية المصرية في الأسواق العالمية.