الأرض
موقع الأرض

العلم يتحدث بالوثائق

مغالطات أضرار أكل الجرجير والخضروات الورقية

مغالطات أضرار أكل الجرجير والخضروات الورقية
كتب - الأرض: -

لاتزال منصات التواصل الاجتماعي منشغلة بالجدل الذي أثاره الطبيب الراحل ضياء العوضي، الذي هاجم الكثير من المعتقدات والثقافات الغذائية البشرية، منها أضرار تناول الجرجير والخس والكابوتشي والخضروات الورقية، ليحدث صدمة في الأوساط الطبية التجارية والمهنية، انتهت بوفاته في ظرف غامض، لم يُكشَف سره حتى الآن.

ولم تنته موجات الجدل الطبي والتغذوي حول آراء الراحل الدكتور ضياء العوضي، والتي هاجم فيها عبر عدد كبير من الفيديوهات، هاجم استهلاك الخضروات الورقية (كالجرجير، والكابوتشي، وحتى ورق العنب والبروكلي والكرونب)، محذراً الجمهور من تناولها بدعوى خطورة عدم هضم السليلوز في جسم الإنسان، واحتواء هذه الخضروات على حمض البنزويك، والنترات، وفي هذا التقرير نورد بالعلم تفنيدا لهذه الدعاوى.

أولاً: عدم هضم السليلوز .. فوائد الألياف لجسم الإنسان
خلص الدكتور ضياء العوضي إلى أن جسم الإنسان لا يحتوي على إنزيم السليوليز Cellulase، وبالتالي لا يستطيع تفكيك جدران الخلايا النباتية، مما يجعلها عديمة الفائدة، ويرد عليه علماء التغذية والفيسيولوجيا بأن هذا الادعاء ينم عن فهم مجتزأ لوظائف الجهاز الهضمي، "فعدم إمكانية تفكيك السليلوز إلى جلوكوز للحصول على طاقة هو ميزة طبية وليست عيباً".

المضغ الفموي وحمض المعدة يحرران المغذيات

تُظهر الأبحاث المنشورة في دوريةAmerican Journal of Clinical Nutrition أن عملية التقطيع الميكانيكي بالأسنان (المضغ) مع تأثير العصارة المعدية الهيدروكلورية الكفيلة بتكسير الأنسجة النباتية، تؤدي إلى تحرير الأغلبية العظمى من الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة الذائبة داخل الخلايا لتتولى الأمعاء الدقيقة امتصاصها بكفاءة.

الحركة الدودية للقولون

أثبتت دراسة مرجعية نشرتها صحيفة Lancet الطبية عام 2019، وتناولت بيانات أكثر من 135 مليون شخص، أن مؤشر استهلاك الألياف غير الذائبة (على رأسها السليلوز) يتناسب عكسياً مع معدلات الإصابة بأمراض القلب، السكري من النوع الثاني، وسرطان القولون، أي أنها تقلل منها، نظرًا لدورها الجوهري في تحفيز الحركة الدودية ومنع الإمساك والترسبات القولونية.

ثانيا: "حمض البنزويك" في الجرجير والخس والكرافس

ادعى العوضي في تسجيلاته المصورة أن احتواء الخضروات مثل: الجرجير والخس والكرافس والبقدونس على حمض البنزويك، ما يجعلها خطراً على صحة الإنسان، في الوقت الذي سجلت فيه المقاييس العالمية أن حمض البنزويك Benzoic Acid هو مركب عضوي طبيعي تتنتجه العديد من النباتات، مثل: التوت، الفراولة، الخس، والمكسرات، كخط دفاعي طبيعي ضد الفطريات والبكتيريا اللافحة للنباتات.

النسب الميكروسكوبية لحمض البنزويك
وفقاً للبيانات الصادرة عن الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية EFSA ومنظمة الصحة العالمية WHO، يبلغ الحد الآمن اليومي المقبول من حمض البنزويك 5 ملجم لكل كيلو جرام من وزن الجسم، أي أن الشخص الذي يبلغ وزنه من 70 ـ 100 كجم، يتحمل جسده يوميا جرعة آمنة تتراوح بين 35 ـ 50 مليجرام من البنزويك أسيد، فيما تحتوي الخضروات الورقية تركيزات تقاس بالجزء في المليون ppm، ولكي يحصل الجسم على هذه الكمية المؤثرة سلبا، يتحتاج الإنسان إلى التهام نحو 50 كيلو جراما من الجرجير، أو الخس، أو الخضروات الورقية دفعة واحدة.

كفاءة الكبد والجسم في تحويل حمض البنزويك

أكدت أبحاث التسمم الغذائي المنشورة في دورية Food and Chemical Toxicology أن الكبد البشري يتخلص من الجرعات الضئيلة لحمض البنزويك بسهولة عبر ربطه بحمض الأدمينو (الجلايسين) ليتحول إلى "حمض الهيبوريك" Hippuric Acid، الذي يُطرح بأمان تام عبر الكليتين في البول.

ثالثاً: القولون والميكروبيوم
تحويل السليلوز في القولون إلى أحماض دهنية منقذة للحياة

وردا على الادعاء بأن السليلوز مادة خشبية مهملة تجهد الجسم البشري، فإن العلم يؤكد أن هذا الادعاء يغفل كلياً الاكتشاف العلمي الأعظم في العقدين الأخيرين المتمثل في الميكروبيوم البشري Microbiome، حيث أجمعت حقائق علمية نشرتها دورية Nature وScience،Nature Reviews Gastroenterology & Hepatology، أجمعت على أن السليلوز والألياف غير المهضومة تُمثل الغذاء الرئيس Prebiotics لمليارات البكتيريا النافعة المقيمة في القولون، عن طريق عملية التخمر اللاهوائي Anaerobic Fermentation.
وفي هذه النقطة، تقوم هذه البكتيريا بتفكيك السليلوز وإنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلةShort-Chain Fatty Acids - SCFAs، وأهمها: حمض البوتيرات Butyrate المصدر الرئيسي للطاقة، والوحيد لخلية بطانة القولون Colonocytes، مؤكدة أن بطانة القولون بدون هذه الأحماض الدهنية تعاني من ضمور والتهابات مزمنة.

السليلوز وتنظيم مستويات الجلكوز في الدم
وذكرت الدراسات العلمية المنشورة في دوريات علمية دولية، أن من بين الأحماض الدهنية التي تنتج عن تخمر السليلوز بواسطة البكتيريا النافعة في القولون، هي الأسيتات والبروبيونات، وهذه الأحماض بعد امتصاصها تساهم في تنظيم مستويات جلوكوز الدم وتحسين استجابة الخلايا للأنسولين وتقليل تصنيع الكوليسترول الضار في الكبد.

رابعاً: الفوائد الذهبية للجرجير والخضروات الورقية (المغسولة جيداً)

على عكس التخويف المستمر، فإن الدوريات العلمية تُصنف الخضروات الورقية الخالية من متبقيات المبيدات الزائدة كواحدة من أعلى الأغذية كثافة للمغذيات على كوكب الأرض، وذلك لعدة منافع نوردها كالتالي:

* تعزيز النترات الطبيعية وأكسيد النيتريك

أظهرت دراسة نشرتها Journal of the American Heart Association أن النترات الطبيعية الموجودة بوفرة في الجرجير، تتحول في الجسم إلى أكسيد النيتريكNitric Oxide، وهو الغاز المسؤول عن توسيع الأوعية الدموية، وبالتالي خفض ضغط الدم الشرياني، وتحسين الكفاءة العضلية والتروية الدموية.

* الجرجير يقي من السرطان

أثبتت الدراسات العلمية أن الجرجير والخضروات الصليبية (الكرنب، البروكلي، والقنبيط) تحتوي على مركب Sulforaphane وIndole-3-carbinol، وهي مركبات مثبتة علمياً في دورية Carcinogenesis بقدرتها على تحفيز إنزيمات إزالة السموم من الكبد وإيقاف نمو الخلايا السرطانية.

* الخضروات الورقية تحمي الإبصار والعظام

وفقا لدراسات علمية دولية، تمنح الخضروات الورقية الجسم كميات وفيرة من فيتامين K1 الضروري لتثبيت الكالسيوم في العظام، فضلاً عن مضادات الأكسدة (اللوتين والزياكسانثين) الحامية لشبكية العين من التدهور البقعي المرتبط بالتقدم في السن.

الخلاصة والتوصية الطبية

يتبين من واقع الأدلة والدوريات الطبية العالمية أن الخطاب المعتمد على تخويف الجمهور من الخضروات الورقية يرتكز على اقتطاع الحقائق وتكبير الجزئيات السلبية، وهنا تخلص التقارير العلمية إلى:
* عدم هضم السليلوز هو ركن أساسي لصحة القولون والميكروبيوم وليس دليلاً على انعدام القيمة.
* وجود حمض البنزويك في الخضروات الورقية طبيعي وفي حدود آمنة جداً يتعامل معها الجسم ببراعة.

غسل الخضروات ضروري لدواعي سلامة الغذاء

وينصح الخبراء والعلماء بضرورة الاهتمام بغسل الخضروات الورقية جيداً بالماء الجاري للتخلص من أي متبقيات للتربة أو المبيدات، واستهلاكها بانتظام ضمن نظام غذائي متوازن يضمن الحفاظ على صحة القلب، الأوعية الدموية، والجهاز الهضمي.