الأرض
موقع الأرض

«بصمة المرض في الحقل».. كيف تكشف هندسة النبات سر العدوى قبل التحليل المعملي؟

إسلام موسى -

أكد الدكتور محمد المليجي، أستاذ أمراض النبات بكلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، أن انتشار الأمراض النباتية داخل الحقول الزراعية لا يحدث بصورة عشوائية، وإنما يخضع لقواعد علمية دقيقة تُعرف بـ«وبائيات أمراض النبات» (Epidemiology of Plant Pathology).

وأوضح أن تحليل نمط توزيع النباتات المصابة داخل الحقل يُعد من أسرع وأهم وسائل التشخيص الحقلي، إذ يمنح المهندسين والأخصائيين الزراعيين مؤشرات قوية تساعد على تحديد وسيلة انتقال المرض والمسبب المحتمل، حتى قبل سحب العينات وإجراء الفحوصات المعملية.

أنماط انتشار الأمراض وفق وسيلة انتقالها

أشار المليجي إلى أن شكل انتشار الإصابة داخل الحقل يختلف باختلاف وسيلة انتقال المسبب المرضي، ويمكن تصنيف أبرز الأنماط على النحو التالي:

الأمراض المنقولة بالتربة

تظهر هذه الأمراض في صورة بؤر دائرية أو بقع غير منتظمة تتسع تدريجيًا مع مرور المواسم الزراعية، كما هو الحال في إصابات فطريات Fusarium وPythium وVerticillium. وتكون النباتات الواقعة في مركز البؤرة الأكثر تضررًا، نتيجة انتقال المسبب المرضي عبر تلامس الجذور أو نمو الميسليوم أو حركة المياه داخل التربة، فضلًا عن انتقاله بواسطة الآلات الزراعية.

الأمراض المنقولة بالبذور

تتسم الإصابات المنقولة بالبذور، مثل التفحم السائب واللفحات البكتيرية، بانتشار عشوائي ومتفرق داخل الحقل، بما يعكس أماكن زراعة البذور المصابة. وإذا كانت البذور الملوثة موزعة بالتساوي داخل الشحنة، تظهر الإصابة بشكل منتظم، بينما تتخذ شكل شرائط أو تجمعات إذا اقتصر التلوث على أجزاء محددة من البذور.

الأمراض المنقولة بالهواء

تبدأ الإصابة عادة من الحواف المواجهة لاتجاه الرياح السائدة، ثم تمتد تدريجيًا لتغطي مساحات واسعة من الحقل، كما يحدث في أمراض الأصداء والبياض الدقيقي والبياض الزغبي، مع ظهور الأعراض أولًا على الأوراق العلوية للنباتات.

الأمراض المنقولة بالحشرات

يرتبط نمط انتشار هذه الأمراض بسلوك الحشرة الناقلة؛ فقد يكون عشوائيًا عند انتقاله بواسطة حشرات المن، أو متجمعًا في مناطق نشاط الذبابة البيضاء، أو يتركز عند أطراف الحقول فيما يُعرف بـ«تأثير الحواف»، كما هو الحال في فيروس تجعد أوراق الطماطم.

المياه والآلات الزراعية والنيماتودا.. وسائل أخرى لانتشار الأمراض

أوضح أستاذ أمراض النبات أن هناك مسببات مرضية أخرى يمكن تمييزها من خلال شكل انتشارها داخل الحقل، وتشمل:

الأمراض المنقولة بالمياه، مثل Phytophthora والأعفان البكتيرية، حيث تنتشر على امتداد قنوات الري والمنخفضات وانحدارات التربة نتيجة انتقال الأبواغ أو البكتيريا مع مياه الري أو الأمطار.

الأمراض المنقولة ميكانيكيًا، مثل فيروس موزاييك التبغ، وتظهر غالبًا في صورة صفوف طويلة ومتوازية بسبب انتقال العدوى عبر أيدي العمال أو أدوات التقليم والحصاد.

الأمراض المرتبطة بالنيماتودا، والتي تتخذ شكل بقع دائرية تتسع ببطء شديد عامًا بعد آخر، نظرًا لمحدودية حركة النيماتودا داخل التربة.

اضطرابات نقص العناصر الغذائية، مثل نقص البوتاسيوم أو النيتروجين أو الزنك، حيث تظهر الأعراض في مناطق متجانسة دون وجود أي علامات تدل على الإصابة بكائنات ممرضة، مثل الفطريات أو الإفرازات البكتيرية.

عوامل تؤثر في شكل انتشار الإصابة

ولفت المليجي إلى أن الأنماط التقليدية لانتشار الأمراض قد تتغير بفعل عدد من العوامل، من بينها طبيعة تضاريس الأرض، ودرجة ملوحة التربة، والأس الهيدروجيني (pH)، واتجاه خطوط الزراعة، والظروف الجوية، فضلًا عن تاريخ زراعة المحاصيل والأنشطة الزراعية التي تُمارس داخل الحقل.

خطوات التشخيص الحقلي الدقيق

وللوصول إلى تشخيص صحيح، أوصى باتباع مجموعة من الإجراءات الأساسية، تشمل:

إجراء معاينة شاملة للحقل قبل الدخول إلى خطوط الزراعة.

إعداد خريطة توضح أماكن انتشار النباتات المصابة، سواء كانت في صورة بقع أو صفوف أو حواف أو توزيع عشوائي.

ربط نمط الإصابة باتجاه الرياح، ومسارات الري، وحركة المعدات الزراعية.

فحص الحقل لرصد الحشرات الناقلة أو آثار تغذيتها.

تأكيد التشخيص من خلال جمع العينات وإجراء الفحوصات والعزل المعملي.

التشخيص الحقلي مفتاح حماية المحاصيل

واختتم الدكتور محمد المليجي تصريحاته بالتأكيد على أن قراءة النمط المكاني لانتشار الأعراض داخل الحقول، وربطه بالظروف البيئية المحيطة، يمنح أخصائي أمراض النبات القدرة على تحديد مصدر العدوى بدقة كبيرة قبل إجراء التحاليل المعملية، وهو ما يمثل ركيزة أساسية في برامج الإدارة المتكاملة للآفات، ويسهم في حماية المحاصيل الزراعية، والحد من الخسائر، وتحقيق إنتاج زراعي مستدام.