الأرض
موقع الأرض

متحدث البحوث الزراعية: الصادرات الزراعية المصرية تقترب من 12 مليار دولار

الدكتور مصطفي عطية عمارة
كتب - إسلام موسى: -

​أكد الدكتور مصطفى عطية عمارة، المتحدث باسم مركز البحوث الزراعية، أن الطفرة ثورة في "الذهب الأخضر"..
كيف عبرت الصادرات الزراعية المصرية حدود 170 دولة؟
الصادرات الزراعية المصرية تمثل برهاناً ساطعاً على نجاح رؤية الدولة في إعادة هيكلة قطاع الزراعة بالكامل، وتحويله من نمط الإنتاج التقليدي إلى قطاع تصديري وتنافسي بمعايير عالمية تفرض هيبتها داخل أكثر الأسواق الدولية تشدداً.

​وأوضح الدكتور عمارة أن البيانات الرسمية تترجم تسارعاً مذهلاً في حركة التصدير؛ فبعد أن كانت كميات الحاصلات المصدرة لا تتجاوز 2.77 مليون طن في عام 2014، قفزت قفزة تاريخية لتصل إلى نحو 9.5 ملايين طن بنهاية عام 2025.

​وأضاف المتحدث الرسمي أن هذا الزخم التصديري تواصل بقوة خلال النصف الأول من عام 2026 بتجاوز الصادرات حاجز 5.8 ملايين طن، مؤكداً أن الدولة تمضي بخطى ثابتة نحو تحقيق مستهدفها الإستراتيجي برفع العوائد التصديرية الزراعية إلى نحو 12 مليار دولار بنهاية هذا العام لدعم الاحتياطي النقدي وتخفيف الضغط على الميزان التجاري.

​منظومة التكويد الرقمي وبناء الثقة الدولية

​وأشار المتحدث باسم مركز البحوث الزراعية إلى أن هذا الصعود الإستراتيجي يقف خلفه تطبيق صارم لمنظومات فنية ورقابية متكاملة، يأتي على رأسها نظام "التكويد الإلكتروني" للمزارع والحقول التصديرية الذي يديره الحجر الزراعي المصري بنجاح.

​ولفت الدكتور عمارة إلى أن هذا النظام، المعتمد على تكنولوجيا الأقمار الصناعية ونظام التموضع العالمي (GPS)، يمنح بطاقة تعريفية وتتبعية متكاملة لكل شحنة منذ وضع البذرة وحتى وصولها إلى يد المستهلك في الخارج، وتضمن هذه الآلية خلو المنتجات تماماً من متبقيات المبيدات والآفات الحجرية، مما يعزز الثقة الدولية في مطابقة المنتجات المصرية لأعلى معايير السلامة والجودة العالمية، وتجاوز أي قيود فنية طارئة.

​حائط الصد الرقابي: شهادات الأيزو وتصفير نسب الرفض

​وذكر الدكتور عمارة أن المنظومة الرقابية المتكاملة نجحت في خفض نسب رفض الشحنات المصرية في الأسواق الدولية إلى مستويات غير مسبوقة، مستشهداً بتقرير المفوضية الأوروبية الذي أعلن عن انخفاض تاريخي في معدلات رفض الشحنات المصرية داخل الاتحاد الأوروبي لتصل إلى نحو 2.1\% فقط بعد أن كانت تسجل 15\% في سنوات سابقة.

​ونوه إلى أن هذا التميز المؤسسي توّج الحجر الزراعي مؤخراً بالحصول على شهادة الأيزو العالمية في إدارة الجودة الشاملة، مما يثبت أن الإدارة المركزية للحجر الزراعي باتت تشكل "خط الدفاع الأول" والصمام الأساسي لحماية سمعة الحاصلات الوطنية عالمياً من خلال:
​الإشراف الميداني الصارم: تواجد مفتشي الحجر داخل محطات الفرز والتعبئة للإشراف على عمليات الفرز الآلي واليدوي وتجنب أي تلوث خلطي.
​الفحص المعملي الدقيق: سحب عينات عشوائية وتحليلها بالمعامل المركزية المعتمدة لضمان مطابقتها لنسب المتبقيات الدولية.
​التحول الرقمي الكامل: إصدار شهادات الصحة النباتية الإلكترونية المنيعة ضد التزوير، مما يتيح للدول المستوردة الاطلاع عليها فوراً وتسريع الإفراج الجمركي.

​درع التنوع الجغرافي وحماية الاقتصاد من الصدمات

​وأردف المتحدث باسم مركز البحوث الزراعية أن الدولة تبنت إستراتيجية مرنة لإدارة المخاطر عبر فتح أسواق جديدة وتجنب الاعتماد على كتل تجارية محدودة.

​وأفاد بأن الحجر الزراعي نجح في فتح 21 سوقاً دولياً جديداً خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، لتصل المنتجات المصرية حالياً إلى أكثر من 170 سوقاً حول العالم، تشمل قلاعاً تصديرية هامة في شرق آسيا مثل فيتنام وأوزبكستان وأفغانستان، وفي قلب أمريكا اللاتينية كالمكسيك وبيرو وبنما وأوروغواي والبرازيل وسوق الكومنولث المستقل وروسيا.

​وشدد الدكتور عمارة على أن هذا التنوع الجغرافي يمثل درعاً واقياً للاقتصاد المصري؛ حيث يساهم في:
​امتصاص الفائض الإنتاجي الضخم: الناجم عن المشروعات القومية الكبرى، مما يحافظ على استقرار الأسعار المحلية ومكاسب المزارعين.

​تحييد الصدمات الجيوسياسية واضطرابات الشحن: فعندما واجه الشحن البحري عبر البحر الأحمر صعوبات لوجستية، سمح وجود أسواق بديلة معتمدة في أمريكا اللاتينية وأوروبا بتحويل مسارات الحاويات بمرونة تامة.

​الحماية من القيود الفنية المفاجئة: في حال تشديد الاشتراطات من تكتل اقتصادي معين، تتوجه الشحنات فوراً نحو أسواق بديلة مفتوحة مسبقاً.
​استغلال تباين المواسم وفروق الأسعار: لضمان تدفق دولارى مستدام وغير موسمي على مدار العام.

​الموالح والبطاطس.. أسرار الريادة على العرش العالمي

​وكشف الدكتور مصطفى عطية عمارة أن الموالح المصرية تواصل تربعها على قمة الصادرات العالمية للعام السادس على التوالي متجاوزة 2.2 مليون طن، تليها البطاطس الطازجة في المرتبة الثانية بأكثر من 908 آلاف طن خلال النصف الأول من عام 2026.

​وعزا عمارة سر هذا التفوق الكاسح إلى خمس ركائز أساسية:

​الميزة التنافسية الطبيعية: اعتدال الطقس وسطوع الشمس يمنحان الموالح نسبة سكر ممتازة ومظهراً جذاباً، مع توقيت نضج مثالي في فترات الشتاء والربيع يتزامن مع تراجع إنتاج المنافسين عالمياً.

​المناطق الخالية من العفن البني (PFA): زراعة البطاطس في مساحات بكر معزولة ومعتمدة دولياً خالية من الأمراض، مما مهد لاختراق السوقين الأوروبي والروسي دون عوائق.
​البنية اللوجستية المتطورة: استخدام محطات فرز وتعبئة فائقة التطور تعمل بالمسح الضوئي الإلكتروني والليزر (Laser\ Sorting) لاستبعاد الثمار المعيبة بدقة متناهية.
​سلاسل التبريد الذكية: نقل المحاصيل في شاحنات مبردة مخصصة مباشرة للموانئ لضمان طراوتها وصلاحيتها لفترات شحن طويلة.

​معادلة الجودة والسعر التنافسي: إزاحة منافسين تاريخيين مثل إسبانيا وجنوب إفريقيا، بل وغزو البرتقال المصري لأسواق إسبانيا ذاتها لجودته الفائقة وخلوه من المتبقيات.

​جيل جديد من محاصيل "النخبة" ذات القيمة المضافة العالية

​وأعلن المتحدث باسم مركز البحوث الزراعية عن ملامح خطة الدولة للانتقال من الاعتماد شبه الكلي على المحاصيل التقليدية كثيفة الحجم إلى "محاصيل النخبة" أو ما يُعرف بمحاصيل القيمة المضافة العالية، مدعومة بالتكنولوجيا الحيوية وتغير خريطة الطلب العالمي نحو الأغذية الصحية والعضوية.

​وبيّن عمارة أن أبرز هذه المحاصيل الواعدة تشمل:
المحصول الواعدالأثر والقيمة التصديرية المضافة
التمور الفاخرة (المجدول والبرحي) بفضل مشروع الـ 2.5 مليون نخلة بتوشكى والوادي الجديد، بدأ تصدير تمور المجدول الفاخرة بأسعار تعادل أضعاف سعر طن الموالح بالأسواق الخليجية والأوروبية.
النباتات الطبية والعطرية تتميز محافظات الفيوم وبني سويف والمنيا بجودة إنتاجية فائقة لنباتات النعناع والبابونج والياسمين المصدرة كزيوت أساسية تضاعف العائد الدولاري.
الأفوكادو والفاكهة الاستوائيةالتوسع في زراعة الأفوكادو والمانجو الفاخرة الموجهة للسوق الأوروبي مستفيدة من قصر مسافة الشحن مقارنة بأمريكا اللاتينية.
التوت الأزرق والفراولة الفاخرةإدخال "التوت الأزرق" (Blueberries) عبر الصوبات الزراعية كأغذية فائقة الجودة (Superfood) مطلوبة بشدة في الاتحاد الأوروبي وبأعلى هوامش ربحية.

عقول "البحوث الزراعية" في مواجهة التغير المناخي

​واستطرد الدكتور عمارة موضحاً أن مركز البحوث الزراعية يمثل الذراع الفكرية والتطبيقية القائدة للتطوير؛ حيث يعمل عبر معاهده المتخصصة لمجابهة التغيرات المناخية وتوفير بدائل محلية فائقة الجودة من خلال:
​استنباط أصناف هجينة مبكرة النضج: نجح المركز في توفير تقاوي مصرية خالصة لمحاصيل الخضروات، واستنباط أصناف من المحاصيل الإستراتيجية تقصر فترة بقائها في التربة، مما يساهم في خفض استهلاك المياه بمعدلات تتراوح بين 20\% إلى 30\% وزيادة الإنتاجية للفدان بنحو 25\%.
​تطوير سلالات مقاومة للإجهادات البيئية: تنمية أصناف تتحمل درجات الحرارة المرتفعة ونقص المياه وملوحة التربة في أراضي الاستصلاح الجديدة.

​إدارة الإنذار المناخي المبكر: تقديم معامل المناخ الزراعي لتوصيات وإرشادات استباقية دورية لحماية المحاصيل الحساسة من موجات الطقس الفجائية.
​الممارسات الزراعية الآمنة: وضع بروتوكولات لاستخدام الأسمدة الحيوية والمبيدات الآمنة لتصفير المتبقيات الكيماوية (MRLs) لتتطابق مع معايير الفحص الدولية.

​كيف دعمت مشروعات الاستصلاح القومية قفزة التصدير؟

​وأشار عمارة إلى أن المشروعات القومية الكبرى، مثل "الدلتا الجديدة"، "مستقبل مصر"، و"توشكى الخير"، شكلت الشريان الأساسي لإمداد منظومة التصدير بالفائض الإنتاجي الجاهز للمنافسة عبر:
​توفير أراضٍ بكر: خالية تماماً من الملوثات والآفات التاريخية ومروية بنظم ري حديثة، مما سمح بزراعة بطاطس خالية من العفن البني ومطابقة لأعقد الشروط الأوروبية.
​تحقيق معادلة الوفرة: توفير فائض ضخم موجه للتصدير دون المساس باحتياجات السوق المحلي أو التأثير على أسعار المستهلك المصري.
​توطين عمالقة التصنيع الزراعي: إقامة مجمعات صناعية عملاقة بالدلتا الجديدة لتصدير الخضروات المجمدة والبطاطس نصف المقلية ومركزات العصائر بدلاً من المواد الخام، مما يضاعف القيمة المالية للطن المصدر بنسبة تصل لـ 300\%.

​إستراتيجية وطنية مرنة لعبور العقبات العالمية

​وتطرق المتحدث باسم مركز البحوث الزراعية إلى أبرز التحديات التي تواجه القطاع متمثلة في ارتفاع تكاليف الشحن البحري نتيجة اضطرابات الممرات المائية في البحر الأحمر، والتقلبات المناخية التي تؤثر على أحجام الثمار، وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج المستوردة.

​وأكد عمارة أن الدولة والمصدرين يتبنون حزمة حلول مبتكرة للالتزام بالاشتراطات الصحية والحجرية الصارمة للتكتلات الكبرى عبر:
​1. الأسواق الأوروبية وإدارة المخاطر
​تطبيق "التكويد القسري" وشروط المفوضية الأوروبية، مما أدى لخفض نسب فحص الموالح المصرية بالموانئ الأوروبية رسمياً من 20\% إلى 10\% فقط بفضل دقة الفحص المعملي وتطوير كفاءة مفتشي الحجر.
​2. الأسواق الآسيوية الشاقة (اليابان والصين)
​الالتزام ببروتوكولات "تبريد الشحن" الصارمة لقتل اليرقات المحتملة دون المساس بجودة الثمار، واستقبال الوفود الفنية الآسيوية لمراجعة مزارع ومحطات التعبئة المصرية ميدانياً وتأكيد مطابقتها لمعايير منظمة الصحة النباتية الدولية (IPPC).
​3. الأسواق الخليجية والعربية
​تسهيل النقل البري المبرّد والربط الإلكتروني المباشر لشهادات الصحة النباتية لتسريع الإفراج الجمركي للمحاصيل سريعة التلف بالتعاون مع الهيئة القومية لسلامة الغذاء.
​روشتة الحفاظ على الريادة وجذب الاستثمارات اللوجستية
​وفي نهاية حديثه، وجّه الدكتور مصطفى عطية عمارة رسالة هامة للمنتجين والمصدرين للحفاظ على السمعة الدولية المتميزة للمنتج المصري، مطالباً إياهم بالالتزام الصارم بالآتي:
​الالتزام المطلق بالتكويد: وتحديث خرائط الـ GPS والشفافية التامة في تدوين سجلات المزارع ومواعيد الرش ونوع الأسمدة.
​ترشيد استخدام المبيدات: والالتزام الصارم بفترة الأمان قبل الحصاد (PHI) لضمان هبوط نسب المتبقيات إلى الحد الصفري المسموح به دولياً، وإيقاف المزارع المخالفة فردياً لمنع فرض أي حظر جماعي على الدولة.
​تحديث تكنولوجيا ما بعد الحصاد: وتأمين سلسلة التبريد عبر شاحنات مبردة مخصصة من الحقل وحتى موانئ الشحن لحماية نضارة المحاصيل.

​كما دعا عمارة إلى ضرورة التوسع في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية في مجالات التعبئة، التغليف، سلاسل التبريد، والتصنيع الغذائي عبر استغلال الحوافز الإستراتيجية التي تقدمها الدولة؛ وعلى رأسها تفعيل "الرخصة الذهبية" لمنح الموافقات الفورية، وتقديم الإعفاءات الجمركية والضريبية للمعدات ومحطات الفرز الحديثة، وترفيق المجمعات اللوجستية المتكاملة بجوار مناطق الإنتاج، وطرح "سلاسل التبريد الخضراء" المعتمدة على الطاقة الشمسية بالتعاون مع جهات التمويل الدولية، مستفيدة من موقع مصر الجغرافي واتفاقياتها الحرة (الشراكة الأوروبية، الكوميسا، اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية AfCFTA) لتظل مصر المنصة الإنتاجية والتصديرية الأولى في المنطقة والعالم.