تعرف على فرص مصر الزراعية بعد موجات الحر الأوروبية

أكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، أن العالم يشهد مرحلة غير مسبوقة من الاضطرابات المناخية، بعدما تحولت موجات الحرارة الشديدة التي انطلقت من شمال إفريقيا إلى أوروبا، لتفرض واقعًا مناخيًا جديدًا وتضع القطاعات الزراعية الأوروبية أمام تحديات قاسية تهدد الإنتاج الزراعي والغذائي.
وأوضح أن ما يحدث حاليًا يؤكد أن تداعيات تغير المناخ لم تعد تقتصر على الدول النامية أو المناطق الحارة، بل امتدت بقوة إلى الدول ذات المناخ المعتدل، لتصبح الظواهر المناخية المتطرفة واقعًا عالميًا لا يستثني أحدًا.
أوروبا تواجه موجات حر غير مسبوقة
وأشار فهيم إلى أن أوروبا كانت تُعد لسنوات طويلة أقل تعرضًا للتقلبات المناخية الحادة، إلا أن هذا التصور تغير بصورة كبيرة، بعدما اجتاحت موجات حر استثنائية دول جنوب وغرب القارة، مثل فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، مع تسجيل درجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية نتيجة اندفاع كتل هوائية شديدة السخونة قادمة من شمال إفريقيا.
وأضاف أن هذه التطورات تعكس دخول المناخ العالمي مرحلة جديدة تتسم بعدم الاستقرار، حيث أصبحت موجات الحر والعواصف والأحداث الجوية المتطرفة أكثر تكرارًا وحدة من أي وقت مضى.
ذوبان جليد جرينلاند ينذر بتداعيات أخطر
وأوضح رئيس مركز معلومات تغير المناخ أن المؤشرات العالمية تؤكد تسارع ذوبان الجليد في جرينلاند، التي تمثل أحد أهم عناصر التوازن المناخي على مستوى العالم، مشيرًا إلى أن معدلات الذوبان المسجلة خلال الأعوام الأخيرة تنذر بتداعيات أكثر خطورة خلال السنوات المقبلة، بما ينعكس على ارتفاع مستوى سطح البحر وتفاقم التغيرات المناخية عالميًا.
لماذا تبدو الحرارة في أوروبا أكثر قسوة؟
وأكد فهيم أن الشعور بدرجات الحرارة لا يرتبط بالأرقام المسجلة فقط، وإنما يتأثر بعدة عوامل مناخية وبيئية، أبرزها ارتفاع نسبة الرطوبة، وطبيعة المباني المصممة للاحتفاظ بالحرارة خلال الشتاء، إضافة إلى محدودية الاعتماد على أجهزة التكييف مقارنة بدول الشرق الأوسط.
وأضاف أن الرطوبة المرتفعة تقلل من قدرة الجسم على التخلص من الحرارة عبر التعرق، وهو ما يزيد من معدلات الإجهاد الحراري، ويؤدي إلى ارتفاع حالات الوفاة خلال موجات الحر رغم أن درجات الحرارة قد تكون أقل من تلك المسجلة في المناطق الصحراوية.
اضطرابات مناخية تهدد مصر والمنطقة
وحذر من أن مصر ومنطقة شمال إفريقيا مقبلتان على تغيرات مناخية أكثر حدة خلال السنوات المقبلة، تتمثل في زيادة احتمالات سقوط أمطار غزيرة قد تتحول إلى سيول، إلى جانب اشتداد الرياح، وارتفاع درجات الحرارة، وتكرار الموجات الخماسينية، فضلًا عن تزايد الظواهر الجوية المتطرفة.
وأشار إلى أن هذه التغيرات أصبحت واقعًا ملموسًا، الأمر الذي يتطلب تعزيز خطط الاستعداد والتكيف مع المتغيرات المناخية.
ارتفاع البحر يهدد الأراضي الزراعية
ونوه إلى أن تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر يمثل أحد أخطر التحديات المستقبلية، خاصة بالنسبة للمناطق الساحلية وشمال الدلتا، حيث يؤدي إلى زيادة ملوحة التربة وتراجع كفاءتها الإنتاجية، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي إذا لم تُتخذ إجراءات استباقية للحد من هذه الآثار.
تغير المناخ يعيد رسم خريطة الآفات الزراعية
وأشار فهيم إلى أن التغيرات المناخية أسهمت في تغيير أنماط انتشار الآفات والأمراض الزراعية، موضحًا أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة ملحوظة في الإصابة بمرض اللفحة المتأخرة في البطاطس خلال العروات الصيفية، وهو ما لم يكن مألوفًا بهذه الصورة سابقًا.
وأضاف أن اعتماد مصر على استيراد تقاوي البطاطس من عدد من الدول الأوروبية يستوجب إعادة تقييم وتحليل المخاطر البيولوجية بصورة دورية، لضمان حماية الإنتاج الزراعي من الأمراض والآفات المستجدة.
فرص تصديرية واعدة أمام الزراعة المصرية
ورغم التحديات، أكد رئيس مركز معلومات تغير المناخ أن الأزمة تفتح في الوقت نفسه فرصًا استراتيجية أمام مصر، موضحًا أن تراجع إنتاج عدد من المحاصيل في جنوب ووسط أوروبا نتيجة موجات الحر، وعلى رأسها الزيتون والبطاطس والموالح والفاصوليا والعديد من محاصيل الخضر والفاكهة، قد يعزز الطلب على الصادرات الزراعية المصرية خلال الموسم المقبل.
وقال إن هذه التطورات تمنح مصر فرصة حقيقية لتعزيز وجودها داخل الأسواق الأوروبية، إذا جرى التخطيط المبكر والاستعداد الجيد لتلبية احتياجات تلك الأسواق.
خطوات عاجلة لتعظيم الاستفادة
وشدد فهيم على ضرورة التحرك السريع عبر إعداد دراسات استشرافية لرصد احتياجات الأسواق الأوروبية، وتحليل الفجوات الإنتاجية لدى الدول المنافسة، مع تعزيز التعاون الإقليمي بين دول شمال إفريقيا، خاصة المغرب والجزائر وتونس، بما يحقق تكاملًا في منظومة التصدير ويزيد القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية العربية.
المناخ المتغير يفرض رؤية جديدة
واختتم رئيس مركز معلومات تغير المناخ تصريحاته بالتأكيد على أن مصر ليست مجرد متلقية لتداعيات التغيرات المناخية، بل تمتلك فرصًا حقيقية لتحويل هذه التحديات إلى مكاسب اقتصادية وزراعية، إذا أحسنت قراءة المتغيرات العالمية، ووظفت إمكاناتها الإنتاجية والتصديرية بصورة علمية ومدروسة.
وأشار إلى أن المستقبل سيكون للدول القادرة على التكيف السريع مع المتغيرات المناخية واستثمار الفرص التي تفرضها التحولات العالمية في القطاع الزراعي.

