كيفية حماية المحاصيل من ملوحة التربة ومياه الري

أكد الدكتور علاء جمعة، أستاذ البساتين بكلية الزراعة بجامعة قناة السويس، أن ملوحة التربة تُعد من أخطر التحديات التي تواجه الإنتاج الزراعي، لما تسببه من تراجع في نمو النباتات وانخفاض المحصول، مشددًا على أن هناك مفاهيم شائعة تحتاج إلى تصحيح فيما يتعلق بطرق علاج الملوحة والحد من آثارها السلبية.
وأوضح أن الملوحة تعني زيادة تركيز الأملاح الذائبة في التربة إلى مستويات تؤثر على قدرة النبات على النمو والإنتاج، وقد تصل في بعض الحالات إلى إعاقة الزراعة بشكل جزئي أو كامل، وفقًا لدرجة تراكم الأملاح وطبيعة المحصول المنزرع.
الغسيل هو الوسيلة الوحيدة لعلاج الملوحة
وأشار أستاذ البساتين إلى أن علاج الملوحة يختلف تمامًا عن التخفيف من أضرارها، موضحًا أن خفض تركيز الأملاح المتراكمة داخل التربة لا يتحقق إلا من خلال عملية غسيل التربة، والتي تعتمد على توفير كميات كافية من المياه مع وجود نظام صرف فعال يسمح بخروج الأملاح خارج منطقة انتشار الجذور.
وأكد أن جميع الأساليب الأخرى المتداولة لا تؤدي إلى تقليل كمية الأملاح الموجودة بالتربة، وبالتالي لا يمكن اعتبارها وسائل علاجية للملوحة، وإنما إجراءات تساعد النباتات على التعايش مع الظروف الملحية وتقليل خسائرها.
محاصيل متحملة للملوحة لكنها لا تعالج المشكلة
وأوضح الدكتور علاء جمعة أن اختيار محاصيل أو أصناف نباتية تتحمل الملوحة يعد من الإجراءات المهمة في الأراضي المتأثرة بالأملاح، حيث يسهم في الحفاظ على الإنتاجية وتحسين فرص نجاح الزراعة.
وأضاف أن هذه الخطوة لا تؤدي إلى إزالة الأملاح أو خفض نسبتها داخل التربة، لكنها تساعد المزارع على تحقيق إنتاج اقتصادي مقبول في ظل الظروف الصعبة.
تحسين الإنبات والنمو في الأراضي الملحية
ونوه إلى أن زيادة معدلات التقاوي المستخدمة في الزراعة تمثل أحد الحلول العملية للتغلب على ضعف الإنبات الناتج عن الملوحة، كما أن الاهتمام ببرامج الري والتسميد يكتسب أهمية مضاعفة في هذه الأراضي.
وأوضح أن النبات المزروع في بيئة مرتفعة الملوحة يعاني ما يُعرف بـ"العطش الفسيولوجي"، حيث يجد صعوبة في امتصاص المياه والعناصر الغذائية رغم وجودها في التربة، ما يستدعي إدارة دقيقة للري والتغذية النباتية.
ممارسات زراعية تقلل الضرر وتحافظ على الإنتاج
وأكد أن من الممارسات المفيدة أيضًا الزراعة في الثلث السفلي من خطوط الزراعة، نظرًا لأن الأملاح تتراكم عادة في المناطق المرتفعة من الخطوط الزراعية.
كما نصح بتشغيل شبكات الري بالتنقيط أثناء سقوط الأمطار للحفاظ على تجمع الأملاح بعيدًا عن منطقة الجذور، ومنع إعادة توزيعها داخل القطاع الأرضي بصورة تضر بالنباتات.
وشدد على ضرورة تجنب استخدام الري بالرش عند ارتفاع ملوحة مياه الري إلى أكثر من 1500 جزء في المليون، لأن تبخر المياه من على الأوراق يؤدي إلى تراكم الأملاح على المجموع الخضري، وهو ما قد يتسبب في احتراق النباتات وتدهور حالتها.
أهمية المادة العضوية في الأراضي الملحية
ولفت إلى أن إضافة الأسمدة العضوية ومصادر المادة العضوية المختلفة، مثل الدبال وأحماض الهيوميك، تساهم في تحسين خصائص التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية.
وأضاف أن بعض المركبات الحيوية، مثل حمض البرولين، أثبتت دورًا مهمًا في رفع قدرة النباتات على تحمل الإجهاد الناتج عن الملوحة، خاصة في البيئات الصحراوية والجافة.
التسميد الورقي وسيلة فعالة لدعم النباتات
وأوضح أن التسميد الورقي بالأسمدة المعدنية أو العضوية يمثل وسيلة فعالة لتجاوز بعض المشكلات التي تفرضها التربة الملحية، حيث يسمح بوصول العناصر الغذائية مباشرة إلى النبات دون التأثر بارتفاع الأملاح في منطقة الجذور.
كما أشار إلى أهمية استخدام منقوع الكمبوست والأسمدة العضوية السائلة ضمن برامج التغذية المتكاملة للنباتات المزروعة في الأراضي الملحية.
الحرث العميق قد يزيد المشكلة تعقيدًا
وحذر أستاذ البساتين من إجراء عمليات الحرث العميق، خاصة في الأراضي الصحراوية، موضحًا أن هذه الممارسة قد تتسبب في نقل الأملاح المتراكمة في الطبقات السفلية إلى سطح التربة، ما يؤدي إلى تفاقم المشكلة بدلًا من علاجها.
الزراعة بدون تربة.. حلول بديلة للمناطق شديدة الملوحة
وأشار إلى أن بعض المناطق ذات الظروف الملحية القاسية يمكن استغلالها من خلال أنظمة زراعية حديثة لا تعتمد على التربة التقليدية، مثل الزراعة المائية "الهيدروبونيك" أو الزراعة على بالات القش، وهي نظم توفر بيئة أكثر ملاءمة لنمو النباتات بعيدًا عن تأثير الأملاح.
كيف نمنع تراكم الأملاح مستقبلاً؟
وأوضح الدكتور علاء جمعة أن هناك مجموعة من الإجراءات الوقائية التي لا تعالج الملوحة بشكل مباشر، لكنها تحد من تراكم المزيد من الأملاح داخل التربة من خلال تقليل معدلات البخر والحفاظ على الرطوبة الأرضية.
«الملش».. خط الدفاع الأول ضد البخر
وأكد أن تغطية سطح التربة باستخدام الملش من أكثر الوسائل فعالية في الحد من تبخر المياه، إذ تعمل هذه التقنية على خفض درجة حرارة التربة وتقليل تأثير الرياح والحفاظ على الرطوبة لفترات أطول.
وأشار إلى أن التغطية يمكن أن تتم باستخدام بقايا النباتات أو الأحجار أو الأغطية البلاستيكية، مع مراعاة اختيار الوسيلة المناسبة لكل نظام زراعي.
العزيق والصرف الجيد يحميان التربة من التملح
وأضاف أن عمليات العزيق المنتظمة تساعد على تقليل فقد المياه من سطح التربة، حتى إن بعض المختصين يطلقون على العزيق وصف "نصف رية" لما يحققه من كفاءة في الحفاظ على الرطوبة.
كما شدد على أهمية تحسين شبكات الصرف الزراعي، لأن ارتفاع مستوى الماء الأرضي بالقرب من سطح التربة يؤدي إلى زيادة البخر ومن ثم ارتفاع معدلات التملح الثانوي.
أفضل مواعيد الري لتقليل الملوحة
وأوضح أن تنفيذ الري خلال ساعات الصباح الباكر أو في المساء وبعد غروب الشمس يساعد على تقليل الفاقد من المياه الناتج عن التبخر، خاصة خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة.
وأكد أن الحرارة المرتفعة تعد العامل الأكثر تأثيرًا في زيادة معدلات البخر، وبالتالي فإن اختيار التوقيت المناسب للري يمثل خطوة مهمة في إدارة الأراضي الملحية.
التظليل ومصدات الرياح.. أدوات فعالة للحفاظ على الرطوبة
واختتم الدكتور علاء جمعة تصريحاته بالتأكيد على أهمية التظليل وتقليل سرعة الرياح في المناطق الزراعية الصحراوية، موضحًا أن خفض درجات الحرارة وتقليل حركة الهواء فوق سطح التربة يسهمان بشكل مباشر في الحد من فقد المياه وتقليل فرص تراكم الأملاح.
وأشار إلى أن زراعة مصدات الرياح يجب أن تكون من أولى الخطوات عند استصلاح الأراضي الجديدة، لما توفره من حماية للمحاصيل وتحسين للظروف البيئية وزيادة كفاءة استخدام المياه، وهو ما ينعكس في النهاية على استدامة الإنتاج الزراعي ورفع كفاءة استغلال الأراضي المتأثرة بالملوحة.

