حقيقة تراكم اليوريا ونترات النشادر في الأراضي الزراعية

أكد المهندس الزراعي متولي سويلم، مفتش بمديرية الإصلاح الزراعي بمحافظة كفر الشيخ، أن الاعتقاد السائد بشأن تراكم الأسمدة النيتروجينية داخل التربة يحتاج إلى تصحيح علمي دقيق، موضحًا أن اليوريا ونترات النشادر لا تبقيان في الأرض بصورتهما الأصلية لفترات طويلة، بل تدخلان في سلسلة من التحولات الكيميائية والحيوية التي تحدد مصير النيتروجين داخل البيئة الزراعية.
النيتروجين لا يتراكم كيميائيًا داخل التربة
وأوضح سويلم أن التفرقة ضرورية بين وجود السماد بصورته التجارية وبين مصير عنصر النيتروجين نفسه، مشيرًا إلى أن الأسمدة النيتروجينية تعد من أكثر المركبات سرعة في التحول والفقد، لذلك لا تتراكم داخل التربة كيميائيًا كما يعتقد البعض.
وأضاف أن اليوريا، وهي مركب عضوي سريع الذوبان في الماء، لا تستمر في التربة بصورتها الأصلية سوى لفترة قصيرة قد تمتد من ساعات إلى أيام قليلة، قبل أن تتعرض للتحلل المائي بفعل إنزيم اليوريز والنشاط الميكروبي، لتتحول إلى أمونيا ثم إلى أيونات الأمونيوم القابلة للتفاعل داخل التربة.
ماذا يحدث لنترات النشادر بعد إضافتها للأرض؟
وأشار إلى أن نترات النشادر تبدأ في التأين فور ملامستها للرطوبة الأرضية، حيث ينقسم النيتروجين فيها إلى صورتين مختلفتين في السلوك والحركة.
فالأمونيوم يحمل شحنة موجبة تمكنه من الارتباط مؤقتًا بحبيبات الطين والمادة العضوية الموجودة بالتربة، بينما تبقى النترات حرة في محلول التربة بسبب حملها شحنة سالبة تتنافر مع الشحنات السالبة لحبيبات الأرض، ما يجعلها أكثر عرضة للانتقال مع مياه الري إلى الطبقات العميقة بعيدًا عن نطاق الجذور.
لماذا يفقد النيتروجين بسرعة في الأراضي المصرية؟
ولفت مفتش الإصلاح الزراعي إلى أن الظروف المناخية والزراعية السائدة في مصر، خاصة في أراضي الدلتا والأراضي القديمة، تجعل معدلات فقد النيتروجين أعلى من فرص تراكمه، نتيجة تكرار الري وارتفاع درجات الحرارة والطبيعة القلوية لكثير من الأراضي الزراعية.
وأوضح أن النيتروجين يسلك عدة مسارات تؤدي إلى فقده، أبرزها التطاير على هيئة غاز الأمونيا، وهو ما يحدث غالبًا عند إضافة اليوريا على سطح التربة دون خلطها أو عند الإفراط في التسميد بالأراضي القلوية.
كما أشار إلى أن الغسيل والترشيح يمثلان أحد أهم أسباب فقد النيتروجين، حيث تتحرك النترات بسهولة مع المياه الزائدة إلى أعماق التربة، مبتعدة عن منطقة انتشار الجذور، وهو ما ينعكس سلبًا على كفاءة التسميد وقد يؤدي إلى تلوث المياه الجوفية.
التراكم الحقيقي للنيتروجين.. صورة عضوية آمنة
ورغم عدم تراكم الأسمدة النيتروجينية بصورتها الكيميائية، أوضح سويلم أن الدراسات والتجارب طويلة المدى أثبتت وجود شكل آخر من التراكم يحدث داخل التربة بمرور السنوات.
وبيّن أن جزءًا من النيتروجين المضاف يدخل في تكوين المادة العضوية والدبال وأجسام الكائنات الحية الدقيقة، مكونًا ما يعرف بالنيتروجين المتبقي، وهو صورة عضوية مستقرة نسبيًا تتحرر تدريجيًا لتغذية النبات على المدى الطويل.
وأكد أن هذا النوع من التراكم يعد تراكمًا حيويًا طبيعيًا وآمنًا، ويختلف تمامًا عن مفهوم تراكم الأسمدة الكيميائية داخل التربة.
الإفراط في التسميد يهدد النبات رغم عدم تراكم السماد
وشدد على أن عدم تراكم اليوريا أو النترات لا يعني إمكانية استخدامها دون ضوابط، محذرًا من أن الإسراف في التسميد النيتروجيني قد يؤدي إلى مشكلات فسيولوجية خطيرة تؤثر على النبات والمحصول.
وأوضح أن زيادة معدلات التسميد تدفع النبات إلى امتصاص كميات من النترات تفوق قدرته على تحويلها إلى بروتينات، ما يؤدي إلى تراكمها داخل الأنسجة النباتية والثمار، خاصة في محاصيل الخضر الورقية، وهو ما يثير مخاوف صحية عند استهلاكها.
الملوحة المؤقتة وصدمات الجذور
وأضاف أن الجرعات المرتفعة من الأسمدة النيتروجينية قد تتسبب في رفع الضغط الأسموزي لمحلول التربة بصورة مؤقتة، ما يحد من قدرة الجذور على امتصاص المياه ويعرض النبات لحالة من الإجهاد الفسيولوجي تؤثر على نموه وإنتاجيته.
النمو الخضري الزائد يزيد فرص الإصابة بالآفات
وأشار إلى أن الإفراط في التسميد النيتروجيني يؤدي إلى نمو خضري مفرط يتميز بضعف الأنسجة وارتفاع محتواها المائي، الأمر الذي يجعل النباتات أكثر عرضة للإصابة بالحشرات والأمراض الفطرية، فضلًا عن تراجع كفاءة التزهير والعقد والإثمار.
تقسيم الجرعات.. الحل الأمثل لرفع كفاءة التسميد
واختتم سويلم حديثه بالتأكيد على أن اليوريا لا تتراكم في التربة، كما أن نترات النشادر لا تبقى لفترات طويلة، بينما تتعرض النترات الحرة إما للامتصاص بواسطة النبات أو للفقد مع مياه الري.
وأكد أن التحدي الحقيقي أمام المزارعين لا يتمثل في تراكم النيتروجين، بل في الحد من فقده والاستفادة القصوى منه، مشيرًا إلى أن تقسيم الجرعات السمادية على مراحل النمو المختلفة للمحصول يظل الحل الأكثر كفاءة واحترافية لتحقيق أعلى استفادة ممكنة من وحدات التسميد النيتروجيني.

