الأرض
موقع الأرض

خبير زراعي يكشف سر انتقال الماء في النبات رغم توقف النتح

اسلام موسى -

أكد الدكتور محمد عبد الستار المليجي، أستاذ علوم أمراض النبات والميكروبيولوجي بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية، أن الاعتقاد السائد بأن حركة الماء داخل النبات تتوقف بالكامل عند توقف عملية النتح يعد تصورًا غير دقيق من الناحية العلمية، موضحًا أن النبات يمتلك آليات أخرى تضمن استمرار انتقال المياه وإن كانت بكفاءة وسرعة أقل.

قوتان تتحكمان في حركة المياه داخل النبات

أوضح المليجي أن انتقال الماء داخل النبات يعتمد في الأساس على قوتين رئيسيتين؛ الأولى هي قوة السحب الناتجة عن عملية النتح عبر الأوراق، والثانية هي قوة الدفع التي تنشأ داخل الجذور والمعروفة علميًا باسم "الضغط الجذري".

وأشار إلى أن قوة السحب الناتجة عن النتح تمثل المحرك الأساسي لصعود المياه إلى الأجزاء العليا من النبات، خاصة في الأشجار المرتفعة، بينما يعمل الضغط الجذري كآلية مساندة تسمح باستمرار حركة الماء في بعض الظروف التي يتراجع فيها النتح أو يتوقف مؤقتًا.

الضغط الجذري.. آلية بديلة لاستمرار تدفق الماء

وبيّن أستاذ أمراض النبات أن الجذور تواصل امتصاص العناصر الغذائية والأملاح من التربة حتى في فترات توقف النتح، ثم تنقلها بصورة نشطة إلى أوعية الخشب.

وأضاف أن تراكم الأملاح داخل الأوعية الخشبية يؤدي إلى انخفاض الجهد المائي مقارنة بالتربة المحيطة، ما يدفع الماء إلى التحرك أسموزيًا نحو الجذور، وينتج عن ذلك ضغط هيدروستاتيكي موجب يدفع المياه إلى أعلى داخل النبات دون الحاجة إلى قوة السحب الناتجة عن الأوراق.

ولفت إلى أن هذه الظاهرة تُعرف باسم "الضغط الجذري"، وهي من الموضوعات الأساسية التي يتم تدريسها لطلاب كليات الزراعة ضمن مقررات فسيولوجيا النبات، كما يمكن قياسها باستخدام أجهزة متخصصة مثل المانوميتر.

الإدماع.. دليل عملي على نشاط الضغط الجذري

وأوضح المليجي أن من أبرز الظواهر المرتبطة بالضغط الجذري ظاهرة الإدماع، والتي تظهر غالبًا في الساعات الأولى من الصباح عندما تكون التربة مشبعة بالماء والرطوبة الجوية مرتفعة.

وفي هذه الحالة، يخرج فائض المياه من النبات على هيئة قطرات تتجمع على حواف الأوراق عبر فتحات خاصة تعرف بالثغور المائية، وهي تراكيب تختلف تشريحيًا ووظيفيًا عن الثغور التنفسية المنتشرة على أسطح الأوراق.

وأشار إلى أن هذه القطرات ليست ناتجة عن الندى كما يعتقد البعض، بل تمثل مياهًا دفعها الضغط الجذري إلى خارج النبات نتيجة زيادة محتواها الداخلي.

لماذا لا تكفي قوة الجذور وحدها؟

وأكد أن الضغط الجذري يظل محدود التأثير مقارنة بقوة النتح، إذ يستطيع دفع المياه لمسافات قصيرة داخل النباتات العشبية والمحاصيل منخفضة الارتفاع مثل الطماطم والفراولة، لكنه غير قادر بمفرده على إيصال المياه إلى قمم الأشجار الشاهقة كالنخيل والصنوبر، التي تعتمد بصورة رئيسية على تيار النتح المستمر.

متى تتوقف عملية النتح داخل النبات؟

أوضح المليجي أن توقف النتح أو انخفاضه إلى مستويات شبه معدومة يحدث عندما تُغلق الثغور أو تختفي الظروف الفيزيائية اللازمة لتبخر الماء، مشيرًا إلى وجود عدة عوامل بيئية وفسيولوجية تؤدي إلى ذلك.

الرطوبة الجوية المشبعة

عندما تصل نسبة الرطوبة في الهواء إلى 100%، يتلاشى الفارق بين بخار الماء داخل الورقة وخارجها، وبالتالي تتوقف عملية التبخر، حتى وإن ظلت الثغور مفتوحة.

الجفاف الحاد ونقص مياه التربة

في ظروف العطش الشديد، يبدأ النبات في إطلاق هرمون حمض الأبسيسيك الذي ينتقل إلى الأوراق ويحفز الثغور على الإغلاق الكامل، بهدف تقليل فقد المياه وحماية الأنسجة من الذبول والتلف.

ساعات الليل والظلام

معظم النباتات تغلق ثغورها خلال ساعات الليل نتيجة توقف الحاجة إلى امتصاص ثاني أكسيد الكربون اللازم للبناء الضوئي، وهو ما يؤدي إلى تراجع معدلات النتح إلى أدنى مستوياتها.

وأوضح أن النباتات العصارية الصحراوية تمثل استثناءً لهذه القاعدة، إذ تفتح ثغورها ليلًا وتغلقها نهارًا كوسيلة للتكيف مع الظروف البيئية القاسية وتقليل فقد المياه.

موجات الصقيع والبرودة الشديدة

انخفاض درجات الحرارة بصورة حادة يؤدي إلى تباطؤ الأنشطة الحيوية داخل النبات، كما تتأثر الخلايا الحارسة المسؤولة عن فتح وإغلاق الثغور، فتتجه إلى الإغلاق للحفاظ على التوازن المائي.

وأضاف أن برودة التربة تقلل من كفاءة امتصاص المياه عبر الجذور، ما يدفع النبات إلى تقليص النتح كإجراء وقائي.

الرياح الجافة والحرارة المفرطة

وأشار المليجي إلى أن الرياح المعتدلة تساعد على تنشيط النتح، لكن الرياح العنيفة والجافة أو الارتفاع المفاجئ في درجات الحرارة قد يشكلان خطرًا على النبات، ما يدفعه إلى إغلاق الثغور سريعًا لتجنب فقدان كميات كبيرة من المياه أو حدوث اضطرابات داخل أوعية الخشب.

تأثير بعض المركبات الكيميائية

وأوضح أن بعض المعاملات الكيميائية غير المدروسة قد تؤثر سلبًا في آليات عمل الخلايا الحارسة المسؤولة عن فتح وإغلاق الثغور، الأمر الذي ينعكس مباشرة على معدلات النتح وكفاءة التبادل الغازي داخل النبات.

واختتم أستاذ علوم أمراض النبات والميكروبيولوجي حديثه بالتأكيد على أن توقف النتح لا يعني توقف حركة الماء داخل النبات بشكل كامل، إذ يظل الضغط الجذري قادرًا على تحريك المياه بدرجات متفاوتة، إلا أن النتح يبقى القوة الرئيسية المسؤولة عن استمرار تدفق الماء إلى الأجزاء العليا للنبات، خاصة في الأشجار والنباتات مرتفعة القامة.