كيف ستؤثر الروبوتات على العمالة الزراعية في مصر؟

أوضح الدكتور إيهاب محمد زايد، أستاذ الخلية بمعهد البحوث الحقلية في مركز البحوث الزراعية، أن العالم يقف حاليًا أمام ثورة زراعية غير مسبوقة تقودها التكنولوجيا الحديثة، مؤكدًا أن شكل الزراعة التقليدية سيتغير بالكامل خلال السنوات المقبلة مع دخول الروبوتات الزراعية والطائرات بدون طيار وتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الحقول المصرية.
وأشار إلى أن مستقبل الزراعة لن يعتمد فقط على الخبرة البشرية التقليدية، بل سيتحول إلى منظومة رقمية متكاملة تعتمد على تحليل البيانات الدقيقة وإدارة الموارد بكفاءة، بما يضمن رفع الإنتاجية وتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الفاقد في المياه والأسمدة والطاقة.
الزراعة الذكية تغير شكل الحقول المصرية
وأضاف أستاذ الخلية بمعهد البحوث الحقلية أن الذكاء الاصطناعي أصبح المحرك الرئيسي لتطوير الزراعة الحديثة، بعدما نجح في تحويل المزارع التقليدية إلى وحدات إنتاجية تعتمد على البيانات والتحليل الرقمي بدلاً من التقديرات العشوائية.
وأوضح أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الزراعي تشمل الزراعة الدقيقة، والتنبؤ بالأمراض والآفات قبل انتشارها، والإدارة الذكية لمياه الري، إلى جانب تطوير روبوتات قادرة على تنفيذ مهام شاقة مثل الحصاد الآلي ومكافحة الحشائش ورصد حالة النباتات بدقة عالية.
وتابع أن الهدف من إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الزراعة لا يتمثل في استبعاد العنصر البشري، بل في دعمه بأدوات تكنولوجية تساعده على اتخاذ قرارات أكثر دقة وتحقيق أفضل استغلال للموارد الزراعية.
الدرونز تراقب الحقول وتوفر المياه
وكشف الدكتور إيهاب محمد زايد أن مصر بدأت بالفعل الاستفادة من الطائرات بدون طيار “الدرونز” داخل المشروعات الزراعية الكبرى، خاصة في مجالات مراقبة شبكات الري وتصوير الترع والمصارف وتحليل حالة الأراضي الزراعية.
وأشار إلى أن هذه التقنيات توفر بيانات دقيقة تساعد على توزيع المياه وفق احتياجات كل منطقة، كما تستخدم في عمليات الرش الجوي والمكافحة الذكية داخل المساحات الزراعية الواسعة، وهو ما يساهم في تقليل الفاقد ورفع كفاءة الإنتاج.
الروبوتات الزراعية تدخل مرحلة التنفيذ
ولفت إلى أن الروبوتات الزراعية أو ما يعرف بـ “Agribots” تمثل الجيل الجديد من التكنولوجيا الزراعية، حيث تعتمد على الدمج بين الأنظمة الميكانيكية والمستشعرات الدقيقة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتنفيذ مهام زراعية معقدة بكفاءة عالية.
وأضاف أن هذه الروبوتات أصبحت قادرة على الانتقال من فكرة “الرش العشوائي” إلى “الاستهداف الدقيق” للآفات والحشائش، ما يقلل من استخدام المبيدات ويحافظ على جودة المحاصيل والبيئة في الوقت نفسه.
ثورة جديدة في جمع الثمار والحصاد
وذكر أستاذ الخلية بمعهد البحوث الحقلية إلى أن الروبوتات الحديثة نجحت في حل واحدة من أكبر مشكلات الحصاد التقليدي، خاصة مع المحاصيل الحساسة مثل الفواكه والخضراوات.
وأوضح أن الروبوتات تعتمد على تقنيات الرؤية الحاسوبية لتحليل لون الثمار وحجمها ودرجة نضجها خلال ثوانٍ معدودة، قبل التعامل معها عبر أذرع مرنة وتقنيات شفط دقيقة تمنع تعرض الثمار للتلف أثناء الجمع.
أسراب روبوتات بدلًا من الجرارات الثقيلة
ونوه الدكتور إيهاب محمد زايد إلى أن مستقبل الزراعة يتجه نحو استخدام “أسراب الروبوتات” الصغيرة بدلًا من الجرارات التقليدية الضخمة، موضحًا أن هذه الروبوتات تؤدي المهام الزراعية نفسها دون التسبب في الضغط على التربة أو الإضرار بتركيبها الطبيعي.
وأضاف أن هذه التكنولوجيا تمنح المزارعين قدرة أكبر على الحفاظ على خصوبة الأرض وتحسين جودة التربة على المدى الطويل.
عين رقمية تراقب كل نبتة داخل الحقل
وقال إن الروبوتات الزراعية أصبحت قادرة على مراقبة النباتات منذ لحظة وضع البذور داخل التربة وحتى اكتمال النضج، من خلال تحليل الرطوبة ودرجات الحرارة وفحص البيئة المحيطة بالبذور بشكل مستمر.
وأشار إلى أن هذه الأنظمة تستطيع التنبؤ بموعد ظهور البادرات وتحديد التوقيت المثالي للري والتسميد، وهو ما يرفع نسب الإنبات ويحسن جودة المحصول النهائي.
الروبوتات تقلل الهدر وتحقق الزراعة المستدامة
وأكد أن التكنولوجيا الحديثة تنقل الزراعة من مرحلة الاستخدام العشوائي للمياه والأسمدة إلى مرحلة “الترشيد الذكي”، حيث تعمل الروبوتات على توجيه كل قطرة مياه أو كمية سماد إلى المكان المطلوب بدقة شديدة، ما يساهم في تقليل الهدر وتحقيق الاستدامة الزراعية.
تجارب عالمية ناجحة في الزراعة الرقمية
وأشار الدكتور إيهاب محمد زايد إلى أن العديد من الدول حققت نجاحات كبيرة في مجال الزراعة الذكية، موضحًا أن اليابان استخدمت الروبوتات لتعويض نقص العمالة الزراعية، بينما نجحت هولندا في إنتاج محاصيل عالية الجودة داخل الصوب الزراعية باستخدام أنظمة ذكية جعلتها من أكبر الدول المصدرة للمنتجات الزراعية عالميًا رغم صغر مساحتها.
كما أثبتت التجارب في أستراليا والولايات المتحدة قدرة الروبوتات على إدارة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية بأقل استهلاك للطاقة والتكاليف.
مصر تبدأ التوسع في الزراعة الرقمية
وأوضح أن تطبيقات الزراعة الذكية بدأت بالفعل داخل عدد من المشروعات القومية الكبرى في مصر، مثل مشروع الدلتا الجديدة وتوشكى الخير والمزارع الاستثمارية بطريق مصر – الإسكندرية الصحراوي، إلى جانب التجارب البحثية داخل الجامعات والمراكز العلمية.
وأكد أن هذه المشروعات تمثل خطوة مهمة نحو بناء منظومة زراعية حديثة تعتمد على التكنولوجيا والرقمنة لمواجهة التحديات المستقبلية.
تحديات تواجه انتشار الروبوتات الزراعية
ورغم التطور الكبير، أشار أستاذ الخلية بمعهد البحوث الحقلية إلى وجود عدد من العقبات التي تعرقل التوسع الكامل في الزراعة الرقمية، أبرزها ارتفاع تكلفة التكنولوجيا الحديثة، وضعف البنية التحتية الرقمية، ونقص الكوادر المدربة، إضافة إلى طبيعة بعض الأراضي الزراعية التقليدية.
وأوضح أن تجاوز هذه التحديات يتطلب تعاونًا بين الحكومة والقطاع الخاص لتوفير حلول مرنة، مثل تأجير الروبوتات للمزارعين بدلًا من شرائها، مع إطلاق برامج تدريب وتأهيل للعمالة الزراعية.
هل يختفي الفلاح المصري مع دخول الروبوتات؟
وأكد الدكتور إيهاب محمد زايد أن دخول الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى الزراعة المصرية لن يؤدي إلى اختفاء الفلاح، بل سيغير طبيعة دوره بالكامل.
ولفت إلى أن الفلاح سيتحول من عامل يدوي إلى مدير للتكنولوجيا الزراعية، يعتمد على تشغيل الأنظمة الذكية وتحليل البيانات ومتابعة عمليات الإنتاج الحديثة، مشددًا على أن المرحلة المقبلة ستخلق وظائف جديدة داخل الريف المصري، مثل تشغيل الروبوتات وتحليل البيانات الزراعية وصيانة الأنظمة الرقمية.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل الزراعة في مصر سيكون قائمًا على الدمج بين الخبرة البشرية والتكنولوجيا الحديثة، لتحقيق إنتاج زراعي أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على المنافسة العالمية.

