غياب التخطيط يهدد مستقبل الكتان في الأسواق العالمية

يكشف الدكتور طارق أبو موسى، الباحث بمركز البحوث الزراعية، تفاصيل حكاية «الذهب الأخضر» داخل قرية شبراملس بالغربية، حيث تتقاطع عراقة المهنة مع تحديات معاصرة تهدد واحدة من أهم الصناعات الزراعية في مصر.
في هذه القرية الصغيرة، لا يُزرع الكتان فقط، بل تُروى قصة ممتدة عبر أجيال جعلت منه ركيزة اقتصادية ومصدر دخل رئيسي لآلاف الأسر. ورغم ما تحققه مصر من حضور عالمي في تصدير الكتان، فإن الواقع على الأرض يكشف فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة والعائد الفعلي.
صناعة بلا فاقد.. وأرقام لافتة
يوضح أبو موسى أن الكتان يمثل نموذجًا فريدًا للصناعات المتكاملة؛ إذ تُستغل جميع مكوناته دون هدر، من الألياف وحتى البذور ومخلفات التصنيع. وتحتل مصر موقعًا متقدمًا عالميًا في تصديره، بحصة تصل إلى نحو 8% من السوق الدولية، بإيرادات رسمية تقارب 75 مليون دولار.
وتنتج قرية شبراملس وحدها نحو 90% من إجمالي الإنتاج المحلي، مع متوسط إنتاج للفدان يصل إلى نصف طن ألياف ومثله من البذور، فيما تسعى الدولة لزيادة المساحات المزروعة من 54 ألف فدان إلى 70 ألفًا.
«المعاطن».. الحلقة المفقودة في سلسلة الإنتاج
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، تبرز أزمة «المعاطن» كأحد أبرز العوائق؛ فهي تمثل مرحلة أساسية في تجهيز الكتان للتصنيع. ومع تراجع أعدادها وغياب التنظيم القانوني لها، باتت الصناعة مهددة بالاختناق.
يطالب الخبراء بضرورة تقنين أوضاع هذه المناطق وتحويلها إلى كيانات صناعية معترف بها، بما يضمن استمرارية الإنتاج ويحد من خسائر المزارعين.
من الحقل إلى المخزن.. رحلة محفوفة بالمخاطر
على أرض الواقع، يروي المزارعون معاناة يومية تبدأ من صعوبة نقل المحصول بسبب القيود المفروضة على حركة الجرارات، وصولًا إلى تكدس الكتان داخل القرى، ما يعرضه للتلف أو الحرائق.
وتزداد خطورة الوضع مع ضعف إمكانات الحماية المدنية، حيث لا تتناسب المعدات الحالية مع طبيعة المحصول سريع الاشتعال، ما يؤدي إلى خسائر كبيرة خلال موسم الحصاد القصير.
أزمة تسويق تهدد العائد الاقتصادي
لا تتوقف التحديات عند الإنتاج، بل تمتد إلى التسويق؛ إذ يعاني المزارعون من انخفاض الأسعار وسيطرة بعض التجار على السوق، ما يدفعهم للبيع بأقل من التكلفة.
ويبرز هنا مطلب إنشاء منظومة رسمية للتسويق والتصدير، تضمن سعراً عادلاً وتحد من الممارسات الاحتكارية، خاصة أن الكتان يعد من المحاصيل المدرة للعملة الصعبة.
قيمة مضافة مهدرة.. والتصنيع الغائب
رغم تنوع استخدامات الكتان في صناعات الزيوت والأعلاف والورق والمنسوجات، فإن غياب التصنيع المحلي يؤدي إلى تصديره خامًا، ثم استيراده مجددًا بأسعار مضاعفة بعد تصنيعه بالخارج.
هذه الفجوة تكشف عن فرصة اقتصادية كبيرة مهدرة، يمكن استغلالها عبر التوسع في إنشاء مصانع متخصصة، بما يعزز القيمة المضافة ويوفر فرص عمل جديدة.
حلول عاجلة لإنقاذ «الذهب الأخضر»
يرى الخبراء أن إنقاذ صناعة الكتان يبدأ بتسهيل إجراءات النقل، وتحسين البنية التحتية، وتقنين أوضاع «المعاطن»، إلى جانب دعم التصنيع المحلي وجذب الاستثمارات.
كما يتطلب الأمر تنسيقًا حقيقيًا بين الجهات المعنية والمزارعين، لضمان استدامة هذا القطاع الحيوي.
بين التراث والاقتصاد.. معركة البقاء
في النهاية، لا تمثل زراعة الكتان مجرد نشاط اقتصادي، بل هي جزء من هوية مجتمعية متجذرة. غير أن استمرارها بات مرهونًا بقدرة الدولة على تحويل التحديات إلى فرص، والحفاظ على مكانة هذا المحصول الاستراتيجي في الأسواق العالمية.
القصة هنا لا تتعلق بمحصول فقط، بل بقطاع كامل يقف على مفترق طرق بين التراجع والانطلاق.

