الأرز الأحمر بين الخلل التشريعي والتحدي الحقلي: أزمة تهدد جودة التقاوي والأمن الغذائي

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع الزراعة في مصر، تبرز أزمة “الأرز الأحمر” كواحدة من أخطر القضايا التي تهدد جودة التقاوي وإنتاجية المحصول، بل وتمتد تداعياتها إلى الأمن الغذائي القومي. وتكشف قراءة متأنية للقرار الوزاري رقم 955 لسنة 2007، بشأن مستويات اعتماد حقول إنتاج تقاوي الأرز، عن وجود تضارب علمي واضح في توصيف هذا النبات، بما ينعكس سلبًا على آليات الرقابة والتطبيق في الحقول.
ينص البند الثالث من القرار على الحد الأقصى لنسبة “النباتات الغريبة عن الصنف”، وهي في جوهرها سلالات أرز مختلفة، بينما يتعامل البند الرابع مع “الأرز الأحمر أو البري” باعتباره حشيشة. وهنا يكمن الخلل؛ إذ إن الأرز الأحمر ليس حشيشة بالمعنى العلمي، بل هو أحد سلالات الأرز، يتمتع بتقارب وراثي كبير مع الأصناف المنزرعة، ما يجعله مختلفًا جذريًا عن الحشائش التقليدية التي يمكن مكافحتها بمبيدات انتقائية.
هذا التصنيف الخاطئ يخلق إشكالية عملية، حيث لا توجد مبيدات اختيارية قادرة على القضاء على الأرز الأحمر دون الإضرار بمحصول الأرز نفسه. وتقتصر وسائل المكافحة على مبيدات ما قبل الإنبات مثل مركبات Oxadiazon وThiobencarb، وهي حلول وقائية لا تعالج المشكلة بعد ظهور النبات. ومن ثم، فإن اعتباره “حشيشة” يخالف الواقع العلمي والتطبيقي.
إذا ما تم تصنيف الأرز الأحمر بشكل صحيح كنبات غريب عن الصنف، فإن ذلك يستوجب تطبيق النسب المحددة في البند الثالث، والتي تبلغ 0.01% للتقاوي الأساسية، و0.02% للمسجلة، و0.1% للمعتمدة. أما الإبقاء على الوضع الحالي، فيؤدي إلى فجوة واضحة بين النتائج الحقلية والتحاليل المعملية.
وتتجلى هذه الفجوة في ظاهرة مثيرة للقلق: نتائج الفحص المعملي التي تُظهر وجود عشرات الحبوب من الأرز الأحمر في عينات صغيرة لا تتجاوز 200 جرام، وهو ما يعكس انتشارًا كثيفًا في الحقول قد يصل إلى آلاف النباتات في الفدان الواحد. فكيف يمكن أن تمر هذه الأعداد دون رصد دقيق خلال أعمال التفتيش الحقلي؟ هذا التساؤل يضع منظومة الرقابة أمام اختبار حقيقي.
من جانب آخر، يتردد مصطلح “الأرز الأحمر الصنفي” كمبرر لتلك الظاهرة، وهو مصطلح يفتقر إلى الأساس العلمي. إذ لا يمكن – عمليًا – الوصول إلى صنف مطابق وراثيًا للأصل مع اختلاف وحيد في لون الحبة، إلا عبر برامج تربية نباتية معقدة وطويلة الأمد تشمل التهجين الرجعي والانتخاب الدقيق، وهو ما لا يمكن أن يحدث عشوائيًا في الحقول المفتوحة.
الواقع على الأرض أكثر إلحاحًا؛ فانتشار الأرز الأحمر أصبح ظاهرة واسعة في العديد من الأراضي الزراعية، لدرجة دفعت بعض المزارعين إلى حش المحصول أو استخدامه كعلف للماشية، نتيجة فقدان الجدوى الاقتصادية. ومع تنامي دور بعض الكيانات التجارية التي تتعامل مع التقاوي بمنطق الربح السريع، تتفاقم الأزمة في غياب رقابة صارمة وآليات حاسمة.
إن مواجهة هذه المشكلة تتطلب مراجعة علمية عاجلة للتشريعات المنظمة، وعلى رأسها القرار الوزاري المشار إليه، بما يضمن توحيد المفاهيم وتصحيح التصنيف. كما تستدعي تعزيز منظومة التفتيش الحقلي، وربطها بشكل أكثر دقة بنتائج التحليل المعملي، إلى جانب تشديد الرقابة على إنتاج وتداول التقاوي.
في النهاية، لم تعد أزمة الأرز الأحمر مجرد مشكلة فنية، بل تحولت إلى قضية تمس جودة الإنتاج الزراعي المصري وسمعته، وتفرض على جميع الأطراف – من باحثين ومشرعين ورقابيين – العمل المشترك لوضع حلول جذرية تحفظ للمزارع حقه، وتصون الأمن الغذائي للدولة.
* رئيس المشروع القومى لإنتاج الأرز الهجين

